بشارة جمعة ورو يكتب.. عودة الحكومة إلى العاصمة تعتبر اختبار الدولة لا استعادة المكان.
بشارة جمعة أرور
عودة الحكومة إلى العاصمة تعتبر اختبار الدولة لا استعادة المكان.
عودة الحكومة إلى العاصمة ليست مجرد انتقال جغرافي من مدينة إلى أخرى، بل هي مرحلة سياسية فاصلة تختبر معنى الدولة نفسها، وقدرتها على التحول من إدارة حرب إلى إدارة حكم، فالعاصمة، في سياق ما بعد الصراع، ليست رمزاً سيادياً فحسب، بل مرآة تعكس مدى تماسك السلطة وصدق تعهداتها، وجديتها في استعادة العقد الاجتماعي مع المواطنين.
وأولى التحديات التي ستواجه الحكومة العائدة إلى الخرطوم “العاصمة الوطنية” تتمثل في الملف الأمني، وهو الملف الذي لا يحتمل التجميل أو الخطاب الإنشائي. ففرض هيبة الدولة واحتكارها المشروع لاستخدام القوة يظل شرطاً أساسياً لأي استقرار مستدام، دون ذلك، ستظل العاصمة عرضة للهشاشة وستبقى مؤسسات الحكم محاطة بسياج أمني لا يعكس بالضرورة أمناً عاماً للمواطنين.
أما التحدي الاقتصادي، فهو التحدي الأعمق والأكثر التصاقاً بحياة الناس. فالعاصمة الخارجة من الحرب تعاني من تآكل الخدمات،وتدهور البيئة بوصفها التحدي الصامت الذي يهدد الاستقرار دون ضجيج. فالحرب خلّفت دماراً بيئياً واسعاً لتراكم النفايات، وتلوث مصادر المياه بجانب تدهور شبكات الصرف الصحي، وانتشار الملوثات في الأحياء السكنية، وانهيار البنية التحتية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وشح فرص العمل. وفي مثل هذا السياق، لا تُقاس الحكومة بما ترفعه من شعارات، أو وعود وتصريحات، بل بقدرتها على إعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية التي تتمثل في كهرباء مستقرة، مياه، خدمات صحية،تعليم…، وحركة اقتصادية تعيد الثقة إلى السوق والمجتمع.
أما على المستوى السياسي، تضع العودة إلى العاصمة الحكومة على المحكّ الصعب، إذ تعيد طرح سؤال الشرعية في أكثر صوره حساسية: هل تستند هذه الشرعية إلى مقتضيات الضرورة والواقع، أم إلى توافق وطني واسع، أم إلى أفق انتقالي واضح المعالم يحدد طبيعة السلطة ومسارها؟
إن إدارة الانقسام السياسي والاجتماعي الذي عمقته الحرب تتطلب خطاباً جامعاً، وسياسات احتوائية، وتوازن دقيق بين المكونين المدني والعسكري، بعيداً عن منطق الإقصاء أو فرض الأمر الواقع.
إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في رفع العلم فوق القصر الجمهوري، بل في تحويل العاصمة إلى فضاء للحكم الرشيد، لا إلى مسرح جديد للصراع. فعودة الحكومة، إذا لم تُسند برؤية شاملة للأمن والاقتصاد والسياسة، قد تنقلب من فرصة لإعادة بناء الدولة إلى عبء إضافي يثقل كاهل دولة أنهكتها الأزمات.
