الفاتح بهلول يكتب .. حين تتحول الإدارة الأهلية من مؤسسة مجتمعية إلى أداة سياسية
ضُل الغيمة
حين تتحول الإدارة الأهلية من مؤسسة مجتمعية إلى أداة سياسية .. رداً على مقال الملك يعقوب الملك
كتب : الفاتح بهلول
لم تكن الإدارة الأهلية بالسودان في يومًا ما كيانًا هامشيًا أو تابعًا للسلطة بل نشأتها التاريخيًة تقول أنها نظام مجتمعي يستمد شرعيته من المجتمع لا من الدولة، حيث أسهم ذلك بفاعلية في حفظ السلم الاجتماعي و إدارة الأرض فضلاً على احتواء النزاعات داخل بعض المناطق التي تكون الدولة محدودة الحضور فيها ، بيد أن هذا الدور جرى تفريغه سياسيًا و قانونيًا عبر عقود من الزمان بسبب سوء الإدارة علاوة على التوظيف السلطوي و غياب الرؤية الإصلاحية الجادة ..
إن الأزمة التي تعيشها الإدارة الأهلية اليوم ليست أزمة بنية اجتماعية بقدر ما هي أزمة قرار سياسي يعالج ضُعف استقلاليتها وتحوّيلها من مؤسسة مجتمعية جامعة إلى أداة ملحقة بالجهاز التنفيذي تُدار بالتعيين وتُستخدم عند الحاجة للحشد أو الضبط السياسي يُتخلى عنها في نهاية المطاف عند الأزمات وبالتالي هذه الممارسة لم تُضعف الإدارة الأهلية فحسب، بل ألحقت ضررًا مباشرًا لا سيما بالنسيج الاجتماعي، وأسهمت في تعميق الانقسامات القبلية والنزاعات المحلية.
الملاحظ أن الفراغ التشريعي خاصة على المستوى الولائي قد عكس سلباً و ترتب منه غياب إرادة سياسية حقيقية لتنظيم هذا القطاع الحيوي ،ففي عدد من الولايات تلاشت الهياكل الأهلية أو فقدت فاعليتها بفعل النزاعات ، دون أن تبادر الدولة إلى تقديم بديل مؤسسي أو إطار قانوني واضح ،أدى ذلك إلى فراغ أمني و اجتماعي تتحمل السلطة مسؤوليته الكاملة و الأخطر من ذلك هو التساهل السياسي في السماح للإدارة الأهلية بتجاوز دورها الاجتماعي والتدخل في الجرائم الجسيمة تحت غطاء الأعراف في مخالفة صريحة لمبدأ سيادة حكم القانون .
إن القبول بتسويات عرفية في جرائم تمس الحق العام ليس حفاظًا على السلم الاجتماعي بل هو تنازل سياسي عن مسؤولية الدولة في إنفاذ العدالة، وهذا بدوره يقود إلى فتح الباب واسعاً أمام الإفلات من العقاب وتقويض لهيبة القضاء ،كما أن الخلط المتعمد بين السلطة الجغرافية للإدارة الأهلية والادعاءات القبلية العابرة للولايات يُستخدم اليوم كأداة تضليل سياسي، تُمنح بموجبها ألقاب وقيادات أهلية بلا سند قانوني ولا تفويض مجتمعي حقيقي، في تجاوز واضح للبناء الدستوري للحكم اللامركزي ، وعليه فإن أي حديث عن إصلاح الإدارة الأهلية دون تحصين استقلاليتها دستوريًا و منع التعيين السياسي المباشر علاوة على حصر صلاحياتها في السلم الاجتماعي و المصالحات، وإخضاع الجرائم الجسيمة حصريًا للقضاء بمثابة حديث دعائي لا يرقى إلى مستوى الإصلاح، ولن ينتج سوى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة.
إن صُنّاع القرار مطالبون اليوم باتخاذ موقف واضح يتمثل إدارة إصلاح حقيقي يعيد للإدارة الأهلية دورها كمؤسسة مجتمعية مستقلة شريكة في السلام ؟ أو الإستمرار في توظيفها سياسيًا، وتحمُل المسؤولية الكاملة عن ما يترتب على ذلك من تفكك اجتماعي، وانفلات أمني و فشل تشريعي.
ختامًا فإن الإدارة الأهلية ليست عبئًا على الدولة، بل ضحية لسياسات قصيرة النظر و إصلاحها ليس مسألة تراث أو مجاملة اجتماعية، بل إستحقاق سياسي وقانوني لا يحتمل التأجيل ..
