الفاتح بهلول يكتب.. حين تتوحد البنادق والقلوب .. وسط دارفور على طريق التحرير
ضلّ الغيمة
حين تتوحد البنادق والقلوب .. وسط دارفور على طريق التحرير
كتب: الفاتح بهلول
تحت شعار «نحن من ترابك يا وطن»، أعلنت قوى مجتمعية وأهلية في ولاية وسط دارفور عزمها على استرداد الولاية التي اختطفتها مليشيا الدعم السريع بفعل الحرب التي أشعلتها، ودفع ثمنها المواطن البسيط أمنًا واستقرارًا ومعيشة. ويؤكد هذا الحراك أن ساعة الحسم قد اقتربت، وأن الإرادة الشعبية باتت أكثر تماسُكًا في سبيل إعادة الحياة إلى طبيعتها في أحياء المحافظين ،و الثورة ، و حي الوادي ، و كنجومية ، و الحي الغربي و الشرقي ، و خمسة دقايق ، و حي الكرانك و حي الإستاد ، والحصاحيصا ،حي و السوق، و الحميدية بأحيائها و تفتح المدارس أبوابها، ويرنّ الجرس عاليًا: “يلا يا أولاد المدارس… يلا شخبطوا في الكراريس .
تأتي هذه النفرة التي تبنّاها القائد مصطفى تمبور في أعقاب التطورات الميدانية التي شهدتها محاور كردفان، حيث حققت القوات المسلحة السودانية، مدعومة بالقوة المشتركة، تقدّمًا لافتًا في عدد من المحاور . ويرى متابعون أن تلك التحركات أعادت رسم موازين القوى على الأرض، و تمهد الطريق لمرحلة جديدة عنوانها استعادة المؤسسات الحيوية، وفي مقدمتها جامعة زالنجي، التي استخدمتها المليشيا لأغراض عسكرية بدلًا من دورها الأكاديمي الرائد في رفد السودان بالعلماء والخبراء.
لا تُقرأ تحركات حكومة وسط دارفور بمعزل عن السياق الوطني العام ، فالولاية التي عانت طويلًا من ويلات التطهير العرقي والاغتصاب والتشريد، تسعى اليوم إلى توحيد صفها الداخلي، وتغليب صوت الأرامل والثكالى والأيتام على صوت الرصاص. ويؤكد أبناء السودان أن هذه النفرة ليست دعوة للحرب بقدر ما هي تعبير عن تمسك أبناء وادي أريبو بحقهم في الأرض والعِرض، ورفضهم لأي محاولات لفرض واقع ديمغرافي جديد على الولاية.
شعار «نحن من ترابك يا وطن» يعكس حالة وجدانية جامعة، تختزل علاقة الإنسان بأرضه، وتجسّد استعداد أبناء الولاية لتحمّل مسؤولياتهم في هذه المرحلة الدقيقة. فاستعادة وسط دارفور لعافيتها تتطلب تضافر الجهود الرسمية و الشعبية، والعمل على تعزيز السلم المجتمعي بالتوازي مع أي تحرك ميداني. لأن وسط دارفور، وهي تسرج خيلها، لا تعلن فقط عن موقف سياسي أو عسكري، بل تعبّر عن رغبة عميقة في إنهاء معاناة النزوح واللجوء التي أثقلت كاهل أبنائها، ووضع حد لعمليات الاختطاف والقتل العشوائي التي طالت المواطن الأعزّل، والانتقال إلى مرحلة البناء وإعادة الإعمار. فالرهان الحقيقي ليس في كسب المعارك وحدها، بل في مسح دموع الحسرة عن خدود الأمهات، وإعادة الحياة إلى القرى والمدن التي أنهكتها الحرب.
إن معركة استعادة وسط دارفور ليست مسؤولية جهة بعينها، بل هي واجب وطني تتقاسمه القوات النظامية، والإدارات الأهلية، والشباب، والمرأة، وكل مكوّنات المجتمع. فالوطن لا يُحرَّر بالسلاح وحده، بل بوحدة الصف، ونبذ الفرقة، وإعلاء المصلحة العامة فوق كل اعتبار. فإن تضافر الجهود، سياسيًا ومجتمعيًا وعسكريًا، هو الطريق الأقصر نحو التحرير الحقيقي ، تحرير الأرض من السلاح المنفلت، وتحرير الإنسان من الخوف، وتحرير المستقبل من شبح الضياع. وعندما تتوحد الإرادات، يصبح المستحيل ممكنًا، وتعود وسط دارفور كما كانت أرضًا للتعايش، وموطنًا للكرامة، وسندًا لوطنٍ يستحق أن نبذل من أجله كل غالٍ ونفيس.
