تحركات حقوقية لمحاسبة داعمي ميليشيا الإبادة في السودان
تشهد الساحة الحقوقية الدولية تحرّكاً متسارعاً تقوده منظمات مستقلة وشبكات قانونية عابرة للحدود، بهدف كسر “الخرس الدولي” إزاء دعم دولة الإمارات لميليشيا قوات الدعم السريع في السودان وما يتم ارتكابه من جرائم مروعة بحق المدنيين.
ويأتي هذا الحراك بعد صدور خلاصات أممية تُشير إلى أن الفظائع المرتكبة في مدينة الفاشر ومحيطها تحمل “سمات الإبادة الجماعية”، وسط تصاعد الأدلة الميدانية والشهادات الموثقة.
وقالت “الحملة الدولية من أجل العدالة” في بيان صدر اليوم إن توصيف بعثة تقصّي الحقائق التابعة لـالأمم المتحدة لما جرى في دارفور بلغة حذرة “يقلّل من خطورة الوقائع”.
وأضاف البيان أن حصار المجتمعات، والتجويع المتعمّد، والقتل الجماعي، والاغتصاب، والتعذيب، والإخفاء القسري، مع استهداف عرقي ممنهج، لا تمثل “مؤشرات” فحسب، بل تشكّل واقع إبادة جماعية قائم بالفعل.
وأكد بيان المنظمة الحقوقية أن اختزال الجرائم في مصطلحات تقنية يخفف من وطأة المسؤولية القانونية والسياسية.
ويضع البيان مسؤولية مباشرة على ميليشيا “الدعم السريع” بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ويمدّ دائرة المسؤولية إلى الجهات التي موّلت وسلّحت وقدّمت الغطاء السياسي.
ووفق الحملة الدولية، فإن “القوة المتهمة بالإبادة لم تتحرك منفردة”، مشيرةً إلى دور إماراتي “جوهري” في استمرار القدرة القتالية واللوجستية للميليشيا، مبرزة أن أي دعم مالي أو عسكري أو لوجستي لقوة تُتهم بالإبادة يُعدّ جزءاً من سلسلة المسؤولية عن الجرائم.
ويستند هذا التحرك إلى تراكم أدلة تشمل شهادات ناجين، وصور أقمار صناعية، وتقارير طبية وحقوقية، وتصريحات علنية لقيادات “الدعم السريع”، إضافة إلى أنماط استهداف عرقي متكررة.
وتقول المنظمات إن هذه المواد “ليست تكهنات”، بل وثائق قابلة للاستخدام القضائي، وتُحضَّر حالياً ملفات لإحالتها إلى آليات مساءلة دولية.
وفي لندن، أعلنت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر عزمها رفع تقرير بعثة تقصّي الحقائق إلى مجلس الأمن الدولي، مع التشديد على ضرورة التحقيق والوصول إلى “استنتاجات نهائية”.
وترى منظمات حقوقية أن التحقيقات مهمة، لكنها تؤكد أن “الحقائق دامغة بالفعل”، مطالبةً بتحويل النتائج إلى إجراءات فورية تشمل عقوبات نوعية، وتقييد توريد السلاح، وملاحقات قانونية بحق الأفراد والكيانات المتورطة.
وتشير مصادر قانونية إلى أن الحراك الحقوقي يتخذ مسار “كرة الثلج”: يبدأ ببيانات وإحاطات، ثم ينتقل إلى تحالفات برلمانية، فدعاوى قضائية تعتمد الولاية القضائية العالمية، وصولاً إلى ضغوط على الحكومات لإعادة تقييم علاقاتها مع أبوظبي.
وتؤكد هذه المصادر أن ما “تعرفه شعوب العالم اليوم” من وقائع موثقة “ستعلنه حكومات غداً” في مواقف رسمية.
ويركّز الحراك على مساءلة القيادة الإماراتية، وفي مقدمتها محمد بن زايد آل نهيان، بوصفها صاحبة القرار السياسي والأمني. وتقول الحملة إن الدور الإماراتي “ليس هامشياً”، بل “مركزي” في تمكين الميليشيا، مطالبةً بوقف فوري لأي قنوات دعم، وفتح تحقيقات مستقلة في سلاسل التوريد والتمويل.
وفي المقابل، تحذّر منظمات من تأثير لوبيات ضغط تُسهم في تعطيل المواقف الدولية الصريحة، معتبرةً أن استمرار هذا التأثير يطيل أمد الجرائم. وتؤكد أن الصمت أو اللغة الملتبسة لا تحمي المدنيين، بل تمنح الجناة وقتاً إضافياً.
وتطالب الحملة بخطوات محددة: إعلان توصيف قانوني واضح لما يجري بوصفه إبادة جماعية؛ فرض عقوبات شخصية على قادة “الدعم السريع” والداعمين؛ تفعيل آليات حظر السلاح ومراقبة تنفيذه؛ ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق؛ ودعم مسارات العدالة للضحايا، بما في ذلك برامج حماية الشهود.
وتختم الحملة بيانها بالتأكيد على أن الشعب السوداني “يستحق الصدق والمساءلة”، وأن العالم “مطالب أخيراً بتسمية الإبادة باسمها”، معتبرةً أن أي تأخير إضافي يعني شراكة ضمنية في الجريمة.
