خديعة الوصاية وشرر الشظايا

خديعة الوصاية وشرر الشظايا

بشارة جمعة أرور

خديعة الوصاية وشرر الشظايا
_______________

أباطيل أدعياء حماية الثورة الموءودة بأيديهم
_______________

من الذي أناخ بعير البعثة الأممية في أرضنا، وفتح الأبواب لبؤسٍ فكري كشف خواء العقول وفقر الرؤى؟
من الذي دسّ السم في عسل الانتقال، ثم طالب الناس بتذوّقه صامتين؟
من الذي عقد صفقات الذمم بالمساومة السياسية، وأشعل خطاب الكراهية، ثم تزيّا بزيّ الحارس الأمين على الثورة؟
إنها الوجوه ذاتها؛ سقطت أقنعتها، وتعرّت نواياها.

في هذا المقال نقتحم وعياً جرى تخديره عمداً، ونجعله مرآة حادّة كحِدة الشظايا أمام وجوه اعتادت التحديق في الفراغ…، فالأزمة لم تعد سؤالاً سياسياً تقليدياً، بل لغزاً أخلاقياً فاضحاً: كيف تحوّل الهتاف إلى سكين، والشعار إلى قيد، والثورة إلى وظيفة موسمية تُدار من خلف الستار؟

لسنا هنا لنخاطب الماضي بقدر ما نحاكمه على ضوء ما انكشف من خداع وعبث. ما بدا يوماً جبهة واحدة للحرية والتغيير، تفتّت لاحقاً إلى شظايا سياسية، كل شظية تدّعي امتلاك الحقيقة وتتبرأ من الكذبة الأم، كأن الخديعة وُلدت يتيمة بلا آباء.

لم تعد الأزمة اختلاف تيارات، بل تحول المشروع الثوري إلى أرخبيل مصالح؛ أسماء تتكاثر، منصات تتناسل، ولافتات تتبدل، بينما الجوهر واحد: إعادة إنتاج الوصاية على وعي الناس، خصوصاً جيل خرج يهتف فوجد نفسه محاصراً بالبيانات، ومستهلكاً في صراعات لا تشبه أحلامه.
من “المركزي” الذي يزعم احتكار الشرعية، إلى ” الكتلة الديمقراطية ” التي تتوسّل التوازنات، إلى “منصّة العودة للتأسيس” بلا تأسيس، و” تأسيس ” وُلد فطيساً، وصولاً إلى مسميات جديدة تسوق نفسها بوصفها تجاوزاً للماضي، بينما تحمل في أعماقها المنطق القديم نفسه: منطق نخبة ترى الشعب طاقة احتجاج لا شريك قرار، وترى الشباب وقوداً لا نصف الحاضر وكل المستقبل.

ولا بد هنا من قولٍ واضحٍ جارح: لم يُخدع هذا الجيل لأنه ساذج، بل لأنه صادق أكثر مما تحتمل السياسة. لم يُستغل لأنه جاهل، بل لأنه صدّق أن الثورة فعل أخلاقي قبل أن تكون صفقة سياسية. لكن “لصوص الثورات” أخذوا حماسه وتركوه وحيداً أمام أسئلة ثقيلة: أين ذهبت الحرية؟ متى يتحقق السلام؟ هل تأتي العدالة؟ لماذا تكسّر الحلم؟ وكيف تحولت الثورة إلى متاهة أسماء بلا مخرج؟

سقط القناع الأكبر حين تبين أن الانقسام لم يكن خلاف رؤى، بل صراع مواقع. وحين تفرقوا، لم يعتذر أحد لهذا الجيل، بل تسابقوا لتبرئة الذات وإعادة تدوير الخطاب واتهام الآخرين بالانحراف، كأنهم لم يكونوا شركاء في الطريق نفسه. أخطر ما أفرزته هذه المرحلة ليس فشل الانتقال فحسب، بل تآكل الثقة العامة. فعندما يرى الشاب أن كل كيان يدّعي تمثيله ثم يتنصل منه عند أول اختبار، فإنه لا يفقد ثقته في السياسة وحدها، بل في فكرة العمل العام نفسها. وهنا تكمن الكارثة: جيل غاضب، مُنهك، بلا إطار صادق يحتويه.

هؤلاء الذين سقطت أقنعتهم وقدموا منطق القوة على الحق، والمصلحة على المبدأ، واتخذوا الشعارات الزائفة غطاءً لتكريس الهيمنة وتبرير الانحراف، ارتد عبثهم عليهم شرراً كالقصر، كأنه جمالةٌ صُفر؛ فخابت ظنونهم، وتهاوت الأوهام التي سوقوها خلاصاً وطنياً.

ولم تتوانَ هذه الفئة عن ابتداع أدوات جديدة للخداع؛ فتراهم اليوم أكثر الناس صخباً باسم ديسمبر، وبحماية الثورة وإنجازاتها واستكمال مسارها، بينما هم في الحقيقة أقرب إلى الانقلاب من ظله، وأشدّ التصاقاً به من الضبّ بالسقف، لا يجمعهم منطق إلا تزييف المنطق.

لم تعد الثورة فكرة مجردة، بل اختبار وعي. ولم تعد السيادة قابلة للمساومة، ولا الكرامة موضع تفاوض بأي اسم. فكل ما يُقال باسم حماية الثورة صار أوهاماً تتفنن في خداع البسطاء، مزينة بخدع لفظية وأفكار غير منطقية، تُدار بعقلية المقايضة لا بعقل الدولة.

لم يُخدع هذا الجيل لأنه ساذج، بل لأنه صدّق، وكانت صدقيته وقوداً لعبثٍ سياسي طال أمده، حتى اتضح أن الفشل لم يكن نتيجة اختلاف رؤى، بل حصيلة منظومة مصالح وشطحات نخبوية أفرغت الثورة من محتواها ونسفت روحها.

اليوم، وبعد أن تكسّرت الحرية والتغيير إلى مسميات متناثرة ومجموعات متناحرة، لم يعد السؤال: من كان على صواب؟ بل: من يتحمل مسؤولية الخديعة؟ ومن منهم يملك شجاعة الاعتراف بأن الثورة اختُطفت باسم حمايتها، وأن السيادة ذُبحت باسم الشراكة، وأن الشباب استُهلكوا باسم النضال والتاريخ؟

أيها الجيل الذي خرج ليقاوم ولم يساوم، اعلموا أن فشل النخب لا يُلغي صدق حلمكم، وأن تشظّي الكيانات لا يعني خطأ الثورة، بل يفضح زيف من ادّعوا احتكارها. لا تسلّموا وعيكم مرة أخرى لمن يغيّر الاسم ويحتفظ بالعقلية، ولا تصدّقوا من يتحدّث باسمكم وهو يخشى حضوركم ومشاركتكم الحقيقية.

الثورة ليست منصّة، ولا تحالفاً، ولا بيانات ختامية؛الثورة وعيٌ مستمر، وميزانٌ أخلاقي، وقدرةٌ على المحاسبة، واستعدادٌ للتضحية من أجل الفكرة وبلوغ الغايات السامية.

أما الذين بدّلوا جلودهم السياسية وانتقلوا من اسمٍ إلى آخر دون مراجعة أو اعتذار، فليعلموا أن الشعوب قد تُخدع مرة، لكنها حين تفهم…، تُغلق المسرح، لا تُغير الممثلين.

بلغوا أولئك المنافقين المخادعين،”بين البرتيتا وتاكونا سمير ماشي”