فريق شرطة (حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين يكتب
تعيين أو إعادة تعيين قضاة متقاعدين للعمل بعقود خاصة ومنح تفويض بسلطات أعلى لقاضي دون ترقية بقرارات يصدرها رئيس القضاء
استوقفني منشور وصلني في الفيسبوك، بعنوان بيان من السادة الأفاضل الأساتذة الكرام المحامون مولانا تاج السر الحبر، والمرحوم كمال الجزولي، ومولانا محمد محمد الحافظ محمود، بشأن ملاحظات في مسودة صناعة الوثيقة الدستورية 2019م، ومن ثمّ َملاحظاتهم وجود ثلاثة نسخ للوثيقة الدستورية موقعة ومصادق عليها من اللجنة الفنية والميسريين وسطاء الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير 2019م. وضمن البيان وردت إشارات لقانون المفوضية القومية للخدمة القضائية 2005م، وتشكيل مجلس القضاء العالي، وآليات تعيينات رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية ورئيس ونواب رئيس القضاء وقضاة المحكمة العليا.
فحوى محتوى المنشور أثار عندى مواقف عمليه كمحامي في عدد من الأُقضيات أمام أنواع درجات محاكم السلطة القضائية، تناولتها بالتحليل في كتاب تحت عنوان الأحكام القضائية الفاسدة والمنعدمة. وهنا أشير بالإمتنان لمولانا (النوبي الدنقلاوي اللسان) الأستاذ/ نصرالدين حسن المحامي والموثق، والاستاذ/ عبدالرحيم النصري عبدالله النصري المحامي والموثق، لما تناولته معهم من نقاشات عميقة عن سلسلة أحكام قضائية صادرة من المحكمة العليا، يستوجب الوقوف عندها كثيراً. لا سيما مواقف عمليه سأسردها تباعاً من خلال سلسلة مقالات قادمات تحت ذات عنوان هذه المقالة، وليس ذلك، إلا الاصلاح ما استطعت.
لاسيما هذه الأيام اعكف في اصدار كتاب؛ بعنوان العدالة الدستورية والقضائية والادارية – المفهوم والمنهجيات والنظريات والتطبيق – محاولة إنتقادية تحليلية مقارنة في منهجيات علم السياسة وعلم القانون، والكتاب تكميلي لكتاب أول صدر بعنوان التشريع وصناعة القانون المفهوم والمنهجيات والنظريات والتطبيق – رؤية مفتاحية عن السياسة والقانون، الناشر المؤسسة العربية المتحدة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2025م. والكتاب قيد الاصدار مادته العلمية سلسلة مقالات كتبتها عن الدستور والعدالة الدستورية والمحكمة الدستورية والعداله القضائية، وانتهت تلك المقالات لعنوان الكتاب قيد الاصدار، لإصرار وطلب العديد من المتابعين المهتمين والمختصين توثيق وتجميع المقالات في كتاب، وهنا لا بد من أخص بالشكر والامتنان البروفيسور/ عطا الحسن البطحاني والبروفيسور / بركات موسى الحواتي، لتنبيههم بأهمية تجميع المقالات واصدارها في كتاب.
وما أعنية بموضوع المقالة هذه، أن التجربة السودانية في العدالة القضائية، تبرز ظاهرة لافتة، تتمثل في إقدام السلطة القضائية على إعادة تعيين عدد من القضاة الذين انتهت خدمتهم لبلوغ سن التقاعد أو لأسباب إدارية أو وظيفية أخرى، بوصفهم (قضاة متعاقدين بعقود شخصية)، ويتم إدماجهم في تشكيلات الدوائر القضائية بمحاكم الاستئناف والمحكمة العليا، وبما في ذلك، اصدار تفويضات بسلطات أعلى لقضاة دون ترقية، ويصدر بهذه التعيينات والتفويضات قرار إداري من رئيس القضاء، دون المرور بالإجراءات الدستورية والتشريعية القانونية التي تنظّم التعيين والترقي وإنهاء الخدمة القضائية.
هذه الممارسة – بوصفها انتظامًا مؤسسيًا – تثير إشكالات عديدة الأبعاد، سواء، من زاوية دستورية، ومن زاويه قانونية، ومن زاوية فلسفة العدالة واستقلال القضاء، ومن زاوية نظرية دولة القانون والعدالة الدستورية. ولفائدة المهتمين والمختصين، نحاول تناولها من خلال سلسلة مقالات.
(أولًا) من زاوية دستورية:
———————-
ينص الإعلان الدستوري لسنة 2019م وتعديلاته 2025م في المواد (12/و)، (29 /1،2)، (30) على أن تعيين وإعفاء رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية، وكذلك تعيين وإعفاء رئيس ونواب رئيس القضاء وقضاة المحكمة العليا، يتم بقرار من رأس الدولة استنادًا إلى قانون المفوضية القومية للخدمة القضائية لسنة 2005م، وبناءً على توصية المفوضية القومية للخدمة القضائية – لحين إنشاء مجلس القضاء العالي – ومع تأكيد وحدة ولاية القضاء وإدارته تحت مسئولية رئيس القضاء. وقد استقرت الممارسة التشريعية على اشتراط أداء القاضي اليمين الدستوري أمام رأس الدولة قبل مباشرة مهامه القضائية.
ويرتكز البناء التشريعي الدستوري والقانوني في السودان، على مبدأ وحدة الولاية القضائية الرسمية تحت سلطة الدولة، ممثلة في رأس الدولة باعتباره رمز السيادة الوطنية. وبناءً على ذلك، فإن إعادة دمج قضاة انتهت خدمتهم عبر تعاقد شخصي مباشر مع رئيس القضاء، أو منح تفويضات بسلطات أعلى لقضاة في الخدمة دون ترقية رسمية، ودون المرور برأس الدولة وأداء اليمين الدستوري أمامه، ودون اتباع الإجراءات المنصوص عليها في قانون المفوضية القومية للخدمة القضائية لسنة 2005م، يُعد – من زاوية التحليل الدستوري – تحويلاً لصيغة القضاء الأعلى من ولاية الدولة إلى ولاية الإدارة القضائية، بإدارة شئون القضاء عبر عقود وقرارات إدارية يصدرها رئيس القضاء.
هذا التحول يُنشئ حالة من التعارض مع مبادئ العدالة الدستورية، تتمثل في الآتي:
(1) سيادة الدستور على التشريع، و؛
(2) شفافية التعيين، و؛
(3) مبدأ خضوع ممارسة السلطة القضائية للوساطة الدستورية، لا التعاقد الوظيفي، و؛
(4) مبدأ التدرج القانوني في سلم السلطة.
(ثانيًا) من زاوية قانونية:
———————-
تتم إدارة الخدمة القضائية في السودان، ضمن إطار دستوري وقانوني، يربط تعيين القضاة وترقيتهم وإنهاء خدمتهم بالسلطة السيادية لرأس الدولة، مع إبقاء العمل القضائي ولاية عامة، وليست عقدًا وظيفيًا خاصًا. ولتأكيد الالتزام بالدستور والشرعية القضائية، القوانين المعمول بها (قانون السلطة القضائية 1986م وتعديلاته 2005م، وقانون المفوضية القومية للخدمة القضائية 2005م)، تمنح المفوضية حصريًا سلطة التعيين والترقيات والعزل، بينما يؤدي القضاة القسم الدستوري أمام رأس الدوله أو رئيس القضاء حسب درجاتهم. وأنه وفق التنظيم التشريعي للخدممة القضائية، تنتهي خدمة القاضي بالاستقالة أو بلوغ سن التقاعد، مع إمكانية تمديد محدد لمن بلغ سن التقاعد 65 سنه وفق ضوابط قانونية محددة وبموافقة رأس الدولة بالتمديد، ما يضمن استمرارية الخبرة القضائية دون الإخلال بالضوابط الدستورية. كما أن التنظيم التشريعي يضع المحكمة العليا في قمة البناء القضائي الرسمي، إذ تمثل المرجع الأعلى للشرعية القانونية، وحارسة علو الدستور، ومؤسسة التوازن بين استقلال القضاء والرقابة على عمله، بما يعكس تجربة السودان في ربط السلطة القضائية بالمساءلة الدستورية والسيادة القانونية.
وفي ذات الصدد، وفق المبادئ الأساسية لاستقلال القضاء الصادرة من الأمم المتحدة UN Basic Principles on the Independence of the Judiciary، يجب أن تكون التعيينات القضائية على أساس الجدارة والكفاءة، وشفافة، وخاضعة للرقابة القضائية القانونية عند وجود مخالفات أو تجاوزات، وغير قابلة لأي تأثير سياسي أو تدخل إداري تعسفي – أي أنها ليست من أعمال السيادة المطلقة، وليست محصنة عن الرقابة القضائية. وبالمقارنة مع النصوص التشريعية الواردة في المادة 5/ 1/ الفقرة (ج) وحتى الفقرة (ز)، والمادة 6/ (ج) قانون المفوضية القومية للخدمة القضائية 2005م (سلطة المفوضية الحصرية دون تفويض لرئيس القضاء بالتعيين والترقيات والعزل). والمواد 17، 18، 26، 27، 44، 68، 69، 70، 71، 72 قانون السلطة القضائية 1986م تعديل 2005م (تفويض ومنح السلطات، تعيين القضاة، انهاء الخدمة، الاستقالة، التقاعد بالمعاش بموجب قرار يصدره رأس الدوله، وجواز تمديد فترة خدمة القاضى بموافقة رأس الدولة لمدة سنة أخرى قابلة للتجديد على ألا تزيد المدد الإضافية فى مجموعها على خمس سنوات، وبدء إنتهاء خدمة القاضى واعتبار خدمته منتهية وتزول عنه ولاية القضاء من تاريخ إعلان القاضي بقرار من رأس الدولة).
يتضح من التنظيم التشريعي، وجود اختلالات دستورية وقانونية واضحة – بشأن التعيين بعقد خاص من رئيس القضاء ومنح تفويض سلطات قاضي دون ترقية – إذ يسمح القانون لرئيس القضاء، بمنح سلطات قضائية إضافية للقضاة دون ترقي، وتعيين قضاة بعقود خاصة، ويمنع الطعن في هذه القرارات، التي تفتقر المعايير الموضوعية والشفافية التي تشكل أساس التعيين الحقيقي السليم وفق الدستور والقانون، ويخالف مبدأ الترقي في الدرجة القضائية التي يجب أن يكون القاضي عليها قبل منح سلطة محكمة أعلى لقاضٍ أدنى، ما يثير التجاوز في التعيين ومنح السلطات دون ترقي، ويثير إشكالية مشروعية مصدر المورد المالي التحفيزي للقاضي المتعاقد، ويتيح الطعن في اختصاص القاضي المتعاقد والقاضي بسلطات أعلى دون ترقية، لنظر أي منهم الدعوى أو المشاركة في دوائر الطعن المقررة في القانون.
بذلك، ومن منظور الولاية العامة للقضاء وفق الدستور والقانون والمعايير الدوليه، يظهر بوضوح أن مبدأ استقلال القضاء المقرر في الدستور والقانون، يؤكد على عدم تدخل أي جهة في شئون السلطة القضائية، أو منح صلاحيات مطلقة لرئيس القضاء دون ضوابط قانونية واضحة؛ ويؤكد أن الولاية العامة للقضاء، تعني أن القضاء صاحب الاختصاص الأصيل في الفصل في المنازعات؛ وأن التعيين أو التفويض القضائي، يجب أن يتم وفق إجراءات شفافة محددة بالقانون، لا بقرارات فردية غير قابلة للطعن فيها؛ وأن الفصل بين السلطات، يقتضي أن أي سلطة مطلقة في التعيين أو التفويض، دون رقابة قضائية أو مؤسسية، يخل بمبدأ التوازن بين السلطات، ويؤدي إلى تركيز السلطة في يد شخص واحد.
ومن جهة أخرى، من منظور المعايير الدولية، تشدد المبادئ الأساسية للأمم المتحدة الصادرة عام 1985م، على أن التعيينات والترقيات القضائية، يجب أن تكون وفق معايير موضوعية قائمة على الكفاءة والنزاهة، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية أو السياسية، مع إمكانية الرقابة القانونية عند وجود أي تجاوزات. كما تؤكد المعايير الأوروبية على أن أي سلطة تعيين أو تفويض، يجب أن تكون خاضعة لرقابة قضائية أو مؤسسية، إذ إن القول بأن القرارات الفردية غير القابلة للطعن فيها، يتعارض مع مبدأ سيادة القانون.
وكما أن قواعد بانجلور 2002م Bangalore Principles، والتي هي مجموعة من المبادئ الدولية اعتمدتها اللجنة الاستشارية للأمم المتحدة بشأن استقلال القضاء، وتهدف إلى تحديد معايير السلوك القضائي التي تضمن استقلالية القضاء وحياديته بعيدًا عن أي تأثير أو تدخل من السلطة الإدارية أو أي جهة أخرى. وتتضمن هذه القواعد ستة (6) مبادئ أساسية هي: الاستقلالية، والحيادية، والنزاهة، والكفاءة، والسرية، والمسئولية. وتؤكد القواعد على أن القضاء، يجب أن يكون مستقلاً تمامًا لضمان نزاهة وحيادية الأحكام القضائية، وأن يكون القضاة محصنين ضد الضغوط السياسية أو الإدارية.
ولا سيما قواعد بانجلور Bangalore Principles، تُعد إطارًا مرجعيًا دوليًا ذا طبيعة أخلاقية، يحظى باعتراف واسع من الدول، ويُستخدم كمعيار عالمي لتعزيز استقلال القضاء وضمان حياديته. وقد تبنّت العديد من الدول هذه المبادئ بشكل مباشر في تشريعاتها الوطنية، نظرًا لكونها تمثل نموذجًا أخلاقيًا وسلوكيًا يُحتذى به في النظم القضائية حول العالم. كما أن عددًا كبيرًا من الدول، يعتمد هذه المبادئ في تشريعات قوانينه أو في ممارساته القضائية العملية، بما يعزز استقلال السلطة القضائية، ويكرّس حيادها.
وبناءً عليه، أوجه المخالفة في النصوص التشريعية للقانون، تتجلى في الآتي:
(1) منح سلطات قضائية عليا مؤقتة: يفتح الباب واسعاً للتلاعب بالدرجات القضائية، ويخل بمبدأ الاستقرار الوظيفي للقضاة، ويُضعف الثقة في المسار الطبيعي للترقي داخل الهرم القضائي.
(2) نظام التعيين الخاص للقضاة المتعاقدين: يسمح بتجاوز المسارات الطبيعية للتعيين والترقية، ويخلق قضاة استثنائيين خارج النظام القضائي العادي، بما يخل بمبدأ استقلالية وحيادية القضاء، ويحيل ولاية القاضي المتعاقد من ولاية الدولة إلى ولاية الإدارة القضائية ممثلة في رئيس القضاء، على نحو، يهدد الفصل بين السلطات، ويمس الولاية العامة للقضاء.
(3) عدم جواز الطعن في قرارات التعيين القضائي: النص التشريعي الذي يحظر الطعن في قرارات التعيين، يجعلها في حكم أعمال السيادة والقرارات الادارية المحصنة، باعتبارها من قبيل سلطة الحكم لا سلطة الإدارة، فلا يجوز الطعن فيها. فهذا الوضع التشريعي الوارد في قانون السلطة القضائية 1986م تعديل 2005م، يتعارض بصورة مباشرة مع حق التقاضي المكفول دستوريًا. إذ يجعل قرارات رئيس القضاء المتعلقة بالتعيين أو منح السلطات القضائية نهائية وغير قابلة للمراجعة القضائية أو المؤسسية. الأمر الذي يخرجها من نطاق الرقابة القانونية المتعارف عليها في الدولة الدستورية الحديثة، ويضعها فوق مبدأ سيادة حكم القانون الذي يوجب إخضاع جميع القرارات العامة – بما فيها القضائية والإدارية – للفحص القضائي عند وجود تجاوز أو مخالفة للدستور. وكما يؤدي إلى حرمان أي طرف متقاضٍ من حقه في الطعن بأي من أوجه الطعن عند تضرر المتقاضي من وجود قاضٍ متعاقد خارج أطر التعيين المقررة في القانون، أو وجود قاضي بسلطات تفويض دون ترقية أصدر حكماً. وبما في ذلك الدفع بانعدام الولاية القضائية أو بطلان تشكيل الدائرة القضائية أو المحكمة للقاضي بسلطات تفويض دون ترقية، لما فيه من مساس بضمانات المحاكمة العادلة، ويخل بثقة المتقاضين في حياد الجهاز القضائي واستقلاله.
بالتالي، تتعارض هذه النصوص التشريعية في قانون السلطة القضائية مع الدستور، لما تُحدثه من إخلال واضح بمبدأ استقلال القضاء والفصل بين السلطات. كما تتناقض مع القانون الوطني ذاته (قانون المفوضية القومية للخدمة القضائية 2005م وقانون القضاء الاداري 2005م تعديل 2017م وقانون المحكمة الدستورية 2005م)، إذ تمنح رئيس القضاء سلطات واسعة وغير مقيدة، وتُقصي / تمنع رقابة القضاء على قراراته، على نحو يهدر مبدأ خضوع جميع القرارات الإدارية والقضائية للمشروعية والرقابة القانونية. كما يتبدّى التعارض بصورة أوضح مع المعايير الدولية لاستقلال القضاء، لمخالفتها مبادئ الجدارة والشفافية والحق في الطعن والمراجعة. وهو ما يشكّل خرقًا صريحًا لمفهوم الولاية العامة للقضاء، ويُضعف ثقة المجتمع في الجهاز القضائي، ويهدد شرعية الدولة الحديثة القائمة، على مبدأ سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات.
ونواصل، فللحديث بقية، نتناول فية الوضع في السودان، مقارنة مع المعايير الدولية والانظمة القانونية وتجارب بعض الدول.
