لئلا يندمل جرح الوطن النازف على فساد

لئلا يندمل جرح الوطن النازف على فساد

بشارة جمعة أرور

“التاريخ الأسود لإهدار الجهود والفرص في السودان ليس مجرد سرد لأحداث ووقائع مضت، بل سجل حافل بإهدار الفرص وتبديد التضحيات وسوء تقدير اللحظات الحاسمة، حيث تكررت الأخطاء ذاتها بأسماء مختلفة وشعارات متبدلة، فكان الثمن وطناً يُستنزف وشعباً يدفع كلفة العمى السياسي مرة بعد مرة، حتى صار الجرح الوطني كلما التأم، التأم على فساد جديد لا على عدل وبصيرة.”
حين نقطع بعدم التماهي بين مفهومي القيادة والحكم، فإننا لا نخوض في ترف نظري ولا جدل لغوي، بل نضع أيدينا على جذر العطب الذي أصاب التجربة السياسية وأعاق تشكل الدولة. فليس كل قائد بالضرورة حاكماً، ولا كل حاكم حتماً قائداً، وكم من قادة عظماء خلدهم التاريخ لإسهامهم في مصائر شعوبهم، بل في مسيرة الإنسانية جمعاء، دون أن يعتلوا سدة الحكم، وكم من تنابلة رزئت بهم الأمم حكاماً، دون أن يبلغوا معشار الحد الأدنى من مقومات القيادة الحقيقية. فالقيادة في جوهرها هي القدرة على إمامة الناس نحو الغايات المرجوة، لا بسيف السلطان وسطوته، وإنما بهدى الفكر الثاقب، وقدرة السلوك الملهم، والبصيرة الأخلاقية التي تجعل الجماهير تسير خلف القائد اقتناعاً لا رهبة.
نقول ذلك دونما استهانة بشأن السلطة في حياة الناس، فهي بلا شك في يد القائد الحقيقي مطيّة له نحو غايات أمته، لكنها في المقابل قد تتحول إلى أداة تدمير شامل عندما تُذلل لصغار النفوس والعقول، فيغدو الحكم غنيمة، والدولة ساحة صراع، والوطن رهينة لأوهام القوة. وحيث إن الحضارة الإنسانية كلها نتاج جدل مستمر بين فعل الإنسان وظروف البيئة المحيطة، فإن القيادة، باعتبارها عقل ذلك الفعل، ليست قدراً معلقاً في السماء، بل ثمرة تزاوج بين الاستعدادات الذاتية للقائد ومعطيات البيئة بتحدياتها وروافعها. فلولا تحدي الاستعمار، لما برز أبطال وزعماء ومناضلون أسطوريون من أجل الحرية والمساواة والعدالة، وقياساً على هذه القاعدة فإن عبقرية القيادة نتاج للتلاقح بين القدرات الذاتية ومعطيات الواقع السياسي والاجتماعي.
والقائد التاريخي هو من يستطيع أن يستثمر التاريخ، لا باعتباره امتداداً خاملاً للزمن الماضي، بل بوصفه أحداثاً حية تحمل دروساً وعِبراً، فيحول الذاكرة إلى وعي، والوعي إلى فعل، ليصنع إنجازاً يُضاف إلى سجل الأمة لا إلى أرشيف إخفاقاتها. ومن هنا فإن استيعاب دروس التاريخ ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة عملية لتحديد أهداف المرحلة ووسائل تحقيقها في حيز المستقبل الممكن.
والقائد، إن أراد أن يكون رجل دولة بحق، لا بد أن يتمتع بحس المسؤولية الوطنية، مقروناً بفضيلة الشجاعة المعنوية والسياسية، تلك الشجاعة التي تكسبه القدرة الاستثنائية على التصالح مع الخصوم وتجسير المسافة بينه وبين الآخرين، لا بهدف كسب لحظة إعلامية أو زخم سياسي، بل لجعل الخصم، بحنكته، يعترف بالأخطاء ويقدم الاعتذار. فالاعتراف بالأخطاء والاعتذار عنها قيمة نادرة للغاية في السياسة السودانية، إذ غالباً ما تُزيَّن الأخطاء أو يُسكت عنها في أحسن الأحوال، في ممارسة لا تعدو كونها نفاقاً سياسياً عديم الفائدة، لا يكسب الجماهير ولا يصنع مستقبلاً، بل يرسّخ داءً عضالاً يستشري في غالبية الساسة والقادة.
إن التصالح مع الخصوم وتجسير المسافات ليس ضعفاً ولا انكساراً، لأن غاية انتصار المرء لا تكمن في هزيمة خصومه في ميادين القتال، وإنما في إقناعهم بطرحه، والإصرار على السير في طريق العدالة، لأنها ملحمة لا تحتمل الحياد ولا تقبل أنصاف المواقف. غير أن إحدى أعقد مشكلات السياسة في السودان هي الإدمان المزمن للغة الدعائية، حيث تحولت لغة السياسة إلى خطاب تجريمي وتحريضي ضد الآخر الخصم، وخطاب تزكوي تمجيدي أو تبريري مع الذات والصديق. هذه الدعائية، حين تتسرب إلى العقل الجمعي، تصور الأوهام كحقائق، وتُلبس الخداع ثوب الوعي، فتساهم في خداع الذات قبل خداع الآخرين.
لهذا ظلت الأزمات المتراكمة، والحرب اللعينة في السودان، تقذفنا كل حين بسهم جديد من قوس المعاناة، دون أن نهتدي إلى حل ناجع، رغم كثرة الاجتهادات والمبادرات التي تحولت هي نفسها إلى مشكلة قائمة بذاتها. فالمبادرات، حين تفتقر إلى الجدية والمقومات الأساسية للنجاح، لا تكون جسراً للحل، بل تصبح وسيلة للمناورة، وأداة للإلهاء وكسب الوقت. وعليه فإن أي مبادرة جديدة تُطرح حول الأزمة إما أن تمتلك الشروط الضرورية للنجاح فتستحق الدعم والإسناد، أو أن تكون مجرد مناورة مكشوفة فتستوجب الفضح والرفض، لأن مبادرات المناورة إحدى أخطر وسائل التضليل وأقصر الطرق إلى إطالة أمد الحرب، وما يعنيه ذلك من تعميق معاناة الأبرياء.
وهنا يحسن أن نتذكر، لا بوصفه استدعاءً وعظياً، بل باعتباره درساً في فقه القيادة وإدارة الصراع، حكمة النبي الأمي صلى الله عليه وسلم، حين تنازل عن اسم الله واسمه، وقبل بشروط ظاهرها إجحاف، وهو في موقف قوة، امتثالاً لوحي يعلم ما لا تعلمه النفوس إذا سكرت بلذة الغلبة. فقد علمنا أن النصر ليس لحظة استعلاء، بل مسؤولية أخلاقية، وأن التنازل في موضع القوة ليس ضعفاً، بل ذروة الحكمة، وأن أنسب الأوقات لتقديم التنازلات من أجل الحل، خاصة في النزاعات والحروب المتطاولة، هي أوقات النصر لا أزمنة الانكسار. غير أن المأساة تبدأ حين تكون النفوس نشوى، والعقول سكرى بأوهام القوة والنصر… فتُعطل البصيرة، ويُستبدل درب الحكمة بمسالك الغرور… وتُقاد الأوطان باسم الصلابة لا نحو السلام والاستقرار والتنمية المستدامة… بل إلى نفق الكتمة، حيث يُعاد إنتاج الفشل في صورة بطولة زائفة… وتُدفن فرص الحل تحت ركام الشعارات، ويلتئم جرح الوطن إن التأم لا على شفاء بل على فساد، مؤجلاً انفجاراً قادماً أشد كلفة، وأعمق وجعاً، وأبعد عن روح العدالة التي لا تقوم الأوطان إلا بها.
وللأوطان في دم كل حر روح تضحي بلا هوادة من أجل الحرية والسلام والعدالة، فلا عذر للسكوت عن الخطأ، ولا مكان للنفاق السياسي، فالمستقبل يُصنع بصدق القادة وشجاعتهم على الاعتراف بالحق، حتى لا يتحول الوطن إلى أسير الأخطاء السياسية المستمرة التي ظلت تستشري بلا رادع، تاركاً أجيالاً قادمة تبحث عن الأمل تحت رماد الخلافات الحزبية، ووسط ركام الماضي الممزق وصحراء السياسة القاحلة، عاجزة عن حمل شعلة الحرية التي أهدرها من سبقهم، لتظل راية العدالة معلقة على شفير الانكسار بين أيدي من يصنعون التاريخ ومن يهدرونه، لتذكّرنا أن كل تصرف اليوم يكتب تاريخ الغد ويحدد مصير الوطن.