نيران الاستعلاء على أطلال الدولة
بشارة جمعة أرور يكتب:
نيران الاستعلاء على أطلال الدول
__________________
إفلاس فهلوة العنصريين وفرز المواقف
__________________
“لسنا أمام خلاف في وجهات النظر، ولا أمام تباين مشروع في القراءات السياسية، بل أمام عقلٍ معطوب يرى الظلم نظاماً، والاستعلاء حقاً مكتسباً، ويجرم مقاومة الضحية بوصفها خروجاً عن الطاعة أو تهديداً للاستقرار. ذلك هو المنطق المعكوس حين يتحول الخلل الذهني إلى خطاب عام، وحين تُرفع اللوثة العقلية من مستوى الحالة الفردية إلى مقام المشروع السياسي، وتُمنح المنابر، وتُكسى بلغة النخب، وتسوق باسم الواقعية السياسية.”
سنمضي مع أصحاب المنطق المعكوس ونسدي لهم النصح: إن هذا المنطق المعوج العجيب لا يصدر إلا عن شخص تجذرت فيه عقلية ونفسية الاستعلاء، فأصبح يرى ظلم الآخر حقاً مشروعاً، ومقاومة الآخر لذلك الظلم شيئاً مُداناً. وهنا لا يعود الخلاف خلاف برامج أو تكتيكات، بل يتحول إلى سؤال أخلاقي مباشر وموجه لمن يزعمون القيادة والتنوير؛ كيف لمن يدعي الوعي أن يبرر القهر، وكيف لمن يتحدث باسم الدولة أن يرفض الحق ويخاصم العدالة؟
إن أئمة العنصرية، هؤلاء الذين ظلّوا يكيلون الاتهامات على الناس بالداء المستحكم فيهم، يوضحون حقيقة أن العنصرية في حقيقتها لوثة عقلية وحالة ذهنية ونفسية فريدة، تفضي إلى الشعور بعظمة الذات، وتؤدي بالضرورة إلى تقليص قيمة الآخر، سواء بمنظور العرق أو الثقافة أو الجغرافيا، أو عبر الادعاء الزائف بامتلاك الوطنية الحصرية. والعنصرية بهذا الفهم أشد خطراً من العصبية القبلية؛ إذ إن الأخيرة قد تؤدي إلى انحياز أعمى لكنه لا يصدر بالضرورة عن استعلاء منظَّر، أما العنصرية السياسية فهي عقيدة تُدار بها الدولة، يُعاد عبرها توزيع الحقوق، ويُحدَّد من يستحق الوطن ومن يُطالب بالصبر عليه.
وكلما تعمقت هذه الحالة الذهنية والنفسية، أوغل صاحبها في العنصرية، ويصبح غير الطبيعي في نظره أن ينهض الآخر للدفاع عن نفسه أو أن يطالب بحقه، أو أن يرفض أن يُدار مصيره من فوق رأسه. وهنا تنتقل الأزمة من سوء الإدارة إلى فساد العقل السياسي نفسه.
لهذه الحالة أسباب متعددة؛ من بينها الأفكار المنحرفة للقيادات التي تتولد بفعل ظروف مؤقتة أو مكاسب عابرة، فتتحول إلى قناعات راسخة يُعاد إنتاجها في المقالات والبيانات والمنصات ووسائل التواصل الاجتماعي كافة، كما الأساطير والمعتقدات السياسية المغلقة التي تُروَّج لها كثوابت وطنية، ويُخوَّن من يشكك فيها، فتتحول إلى أدوات ضغط اجتماعي وسياسي، فضلاً عن التحالفات الانتهازية والمصالح المؤقتة التي تغذي منطق الاستعلاء وتديمه، وتحمل ضحاياها مسؤولية أزمات لا سبب لهم فيها سوى الدفاع عن حقوقهم.
وشبيه ذلك؛ على سبيل المثال، كان وهم سموّ الجنس الآري وحتمية سيادته على الآخرين التربة التي أنبتت شجرة النازية، ولم تبدأ المأساة بجنود، بل بالنخب التي صاغت الخطاب، وبالمثقفين الذين برّروا، وبالقيادات التي صمتت. وهذا النموذج يفسّر الغلواء والسعي لإقامة دولة متوهّمة…، بزراعة الفتن، ثم تحميل ضحاياها مسؤولية اشتعالها…إلخ.
هذه المفاهيم لا تقتصر على نسف الوحدة التقليدية فحسب، بل تحول الدولة إلى كيان هش، تديره نخبة خائفة من العدالة، لا واثقة من نفسها، وحتماً هكذا دولة ستتلاشى سريعاً، إذا قدر لها أن تنشأ في أساس.
إن كتابات وتصريحات وتسجيلات بعض القيادات والنشطاء تكشف استمرارية هذه العقلية، حيث يُعاد إنتاج الاستعلاء بلغة جديدة، ويُقلب الحق رأساً على عقب، ويُطالب المظلوم بالصبر بينما يُمنح القاهر أعذاراً بلا نهاية.
ويبدو أن القوم يستخدمون النموذج الهزيل كترياق مضاد أمام المطالب العادلة، لا جهلاً، بل هروباً واعياً من استحقاقات التغيير الحقيقي، متعمدين بذلك الحفاظ على موقعهم وامتيازاتهم على حساب الوطن والمواطنين. المطالب المتعلقة بالسلطة، والخدمة المدنية، والثروة، ليست ترفاً سياسياً، بل جوهر الأزمة، ومع ذلك تُفرَّغ عمداً من مضمونها، ثم يُتَّهم أصحابها بالتشدد أو تهديد الوطن.
الاستمرار في المدافعة بالأساليب المناسبة لبلوغ تلك الغايات يظل واجباً، ليس لأن الخصم لا يفهم، بل لأنه يفهم جيداً ويختار الالتفاف وممارسة الفهلوة باستمرار، متحدياً بذلك كل منطق عقلاني وأخلاقي. وعليه، لا نعوّل على ضمير النخب المسيطرة، بل على وعي جماهيري يتجاوز وصايتهم وقدرة سياسية تُسقط احتكارهم للخطاب والتحكم والسيطرة. ومن المهم تنبيه المواطنين إلى الأكاذيب المصقولة لغوياً والفارغة مضموناً، تلك التي لا يروّجها إلا من فقد الحياء السياسي، ولا يسمعها إلا من فُصل وعيه عن واقع الحكم والسلطة في البلاد.
الكلام عن المناصب العليا والوظائف الترميزية، وصناديق التنمية، والوعود الإعمارية، والإنشائيات دون موارد أو آجال، لم يكن سوى محطات إعاشة سياسية تُدار بنفس عقلية الاستعلاء. قانون قسمة الموارد قائم، وما ينقص الإرادة الحقيقية، فالمطلوب برنامج تنموي قومي شامل، إدارة وطنية مستقلة وشفافة، تمويل وتنفيذ واضح، مدة زمنية محددة، وتمثيل عادل لجميع المناطق، لضمان تحقق الحقوق لكل المواطنين على أرض الواقع.
دعوة الجميع للنظر في المستقبل ليست مصالحة على حساب الحقيقة، بل كسر احتكار النخب لتفسير مفهوم الوطن والمواطن والمواطنة، بما يضمن العدالة والمساواة بين جميع المواطنين، حقوق وواجبات دستورية كاملة. الوحدة الحقيقية ليست وحدة الصمت أو القهر المؤجَّل، بل وحدة الشراكة والمساواة الفعلية والعدالة الدستورية الكاملة. وما عدا ذلك ليس وحدة، بل تسوية نخبوية قصيرة العمر.
حين تتحول الدولة إلى مظلّة حماية للعنصريين، ويُدار الشأن العام بعقلية الاستعلاء، وتُجرّم المطالبة بالحق باسم الواقعية أو الوحدة، فإنها لا تؤجّل الانفجار، بل تعيد هندسته وتحدّد شروط وقوعه. التمظهرات المتصاعدة ليست أزمة عابرة، بل لحظة كاشفة تفضح النخب وأشكال الخطاب، وتبيّن من اختار الوطن ومن اختار امتيازاته، ومن استبدل العدالة بالمناورة. في هذه اللحظة، لا يعود الصمت حياداً، ولا التبرير سياسة، ولا المراوغة حنكة، بل يصبح كل ذلك مشاركة واعية في إزكاء نيران الفتنة والانقسام، وتقويض الدولة من الداخل.
من يعجز عن مواجهة هذه اللحظة الكاشفة، مهما علا صوته أو كثرت منابره، لا يملك شرعية الحديث باسم السودان، ولا حق الوصاية على مستقبله.
الأوطان لا تُدمرها المؤامرات بقدر ما تُدمرها النخب التي تعرف الحقيقة، ثم تختار الوقوف في الجهة الخطأ، وتبرر ذلك بالمنطق أو التعقل الزائف، وتسميه تعقلاً، مؤكدين بذلك أن من يختار الطريق الخطأ ليس مجرّد خصم للوطن، بل عامل نشط في انهياره.
