د. طارق عبدالله يكتب.. مفضل والإعلام.. حين تلتقي المعلومة بمسؤولية الكلمة

د. طارق عبدالله يكتب.. مفضل والإعلام.. حين تلتقي المعلومة بمسؤولية الكلمة

المحجة البيضاء
د.طارق عبدالله

مفضل والإعلام.. حين تلتقي المعلومة بمسؤولية الكلمة

لم يكن لقاء مدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل بالصحفيين المشاركين في الملتقى الإعلامي لقاءً بروتوكولياً عابراً، بقدر ما حمل رسالة واضحة بشأن موقع الإعلام ودوره في المرحلة التي يمر بها السودان، وما تفرضه ظروف الحرب من مسؤوليات إضافية على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.

اللافت في حديث مفضل أنه بدا متابعاً لتفاصيل المشهد الإعلامي، ليس فقط لما ينشره الصحفيون والمؤسسات، وإنما أيضاً لما يدور داخل الوسط الصحفي من نقاشات ومواقف واحتجاجات، بما في ذلك ما أثير حول المشاركة في الملتقى والأنشطة التي تنظمها إدارة الجهاز. وهذه المتابعة، في حد ذاتها، تعكس إدراكاً لأهمية الإعلام باعتباره أحد أهم مكونات المشهد الوطني، وأن ما يثار في أوساط الصحفيين لا يمكن تجاوزه أو التعامل معه باعتباره شأناً هامشياً.
والأهم أن اللقاء فتح مساحة للحوار المباشر، وهي مساحة تكتسب أهمية خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان. فالإعلام يحتاج إلى المعلومات، والمؤسسات الأمنية تحتاج إلى إعلام مهني قادر على التعامل مع المعلومات بمسؤولية، خصوصاً في أوقات الحرب التي تتداخل فيها الحقائق بالشائعات وحملات التضليل ومحاولات التأثير على الرأي العام.
وأشاد الفريق أول مفضل بالدور الذي اضطلع به الإعلام السوداني خلال معركة الكرامة، في إشارة إلى الجهد الذي بذله الصحفيون في نقل الأحداث وتوثيقها والدفاع عن الرواية السودانية ومواجهة حملات التضليل الإعلامي. وقد أصبح واضحاً أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، وإنما تمتد إلى ساحات الإعلام والمعلومات والوعي، حيث يمكن للكلمة والصورة والمعلومة أن تؤثر في اتجاهات الرأي العام مثلما تؤثر الأحداث على الأرض.
لكن مسؤولية الإعلام في هذه المرحلة لا تعني التخلي عن المهنية أو النقد، بل على العكس؛ فالإعلام القوي هو الذي يجمع بين الوطنية والاحتراف، وبين الانحياز لقضايا الوطن والالتزام بقواعد التحقق والدقة والموضوعية.

من هنا فإن الحوار بين جهاز المخابرات والصحفيين ينبغي ألا يكون مناسبة مؤقتة، وإنما بداية لمسار أكثر انتظاماً، يتيح للإعلام الحصول على المعلومات الموثوقة، ويمنح المؤسسات الرسمية فرصة لشرح مواقفها وتوضيح الحقائق.
لقد أكد اللقاء أن الأمن والإعلام، رغم اختلاف وظائفهما، يلتقيان عند هدف أساسي هو حماية المجتمع والدولة. وإذا كانت الأجهزة الأمنية تحمي الوطن في ميادينها، فإن الصحافة تحمي وعيه، وتوثق ذاكرته، وتواجه التضليل، وتمنح المواطن القدرة على فهم ما يجري.
وهنا تصبح الكلمة مسؤولية، كما تصبح المعلومة أمانة، ويصبح الحوار بين الطرفين ضرورة وطنية لا ترفاً مهنياً.