الفريق جلال تاور رئيس لجنة الأمن والدفاع السابق بالبرلمان السوداني لـ«الراية اليوم
الفريق جلال تاور رئيس لجنة الأمن والدفاع السابق بالبرلمان السوداني لـ«الراية اليوم»:
الحوار السوداني–السوداني مطلوب.. لكن نجاحه مرهون بالشمول والحياد والبيئة الآمنة
الحوار السوداني–السوداني هو الطريق إلى التوافق الوطني
الخرطوم – منصة الحوار
في ظل استمرار الحرب وتداعياتها السياسية والأمنية والاجتماعية، يتجدد النقاش حول جدوى الحوار السوداني–السوداني بوصفه أحد المسارات الممكنة للخروج من الأزمة وبناء توافق وطني يمهد لمرحلة جديدة من الاستقرار والسلام. وبينما تتعدد المبادرات والمسارات المطروحة، تبرز أسئلة أساسية حول طبيعة الحوار المطلوب، وشروط نجاحه، ومدى قدرته على تمثيل مختلف أقاليم وقطاعات المجتمع السوداني.
وفي هذا الحوار، يتناول الفريق جلال تاور، رئيس لجنة الأمن والدفاع السابق بالبرلمان السوداني، مفهوم الحوار والفرق بينه وبين التفاوض، ويستعرض تجارب سابقة للحوار والسلام في السودان، قبل أن يطرح رؤيته للحوار السوداني–السوداني في المرحلة الراهنة، وشروط نجاحه، وطبيعة الأطراف التي ينبغي أن تشارك فيه.
الحوار مبدأ مطلوب لإنهاء الخلافات
*كيف تنظرون إلى الحوار من حيث المبدأ؟
الحوار كمبدأ عام أمر مطلوب ومرغوب، لأنه يتيح تبادل وجهات النظر والوصول إلى توافقات يمكن أن تنهي الخلافات بين الأطراف المختلفة، سواء كانت خلافات سياسية أو نزاعات مسلحة.
لكن السؤال الأساسي ليس حول مبدأ الحوار، وإنما حول نوع الحوار المطلوب في هذه المرحلة، وتوقيته، والأطراف التي ينبغي أن تشارك فيه، والبيئة التي ينعقد فيها.
*هل شهد السودان تجارب سابقة يمكن الاستفادة منها؟
السودان عرف أشكالاً متعددة من الحوار. ففي مرحلة مبكرة من عهد الإنقاذ عُقد حوار وطني واسع في قاعة الصداقة، شارك فيه عدد كبير من الشخصيات والخبراء في مختلف المجالات، ولم يكن التركيز مقتصراً على الأحزاب والسياسيين، وإنما شمل قضايا الإدارة والأمن والإعلام والتنمية والحكم المحلي والاقتصاد والمجتمع.
وكان الهدف الوصول إلى رؤى يمكن أن تشكل أساساً لخطة استراتيجية للدولة.
كما أن اتفاقية السلام الشامل «نيفاشا» كانت نموذجاً مختلفاً، لأنها جاءت في إطار تفاوض سياسي بين أطراف متحاربة، وتناولت قضايا السلطة والثروة وغيرها من الملفات.
وهنا لابد من التمييز بين الحوار والتفاوض؛ فالحوار أوسع من التفاوض، يركز التفاوض السياسي غالباً على الوصول إلى اتفاقات محددة بين أطراف متصارعة، مثل تقاسم السلطة والثروة.
*ما الفرق الذي ترونه بين الحوار والتفاوض السياسي؟
التفاوض يأتي عادة بين أطراف لديها مصالح أو مطالب محددة، وتسعى إلى الوصول إلى اتفاق بشأنها. أما الحوار فهو أوسع، ويمكن أن يشمل قضايا الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والتنمية والعلاقات الاجتماعية، إلى جانب القضايا السياسية.
لذلك، فإن السودان في المرحلة المقبلة يحتاج إلى حوار شامل يعالج قضايا الدولة والمجتمع، إلى جانب المسار السياسي الخاص بالتفاوض بين الأطراف المعنية بالحرب.
*الحوار الحالي يحتاج إلى قراءة دقيقة للواقع
كيف تنظرون إلى الحوار المطروح في ظل الظروف الحالية؟
لابد أولاً من قراءة الواقع السوداني كما هو. نحن أمام حرب طويلة خلّفت أوضاعاً أمنية وإنسانية واجتماعية معقدة، وهناك مناطق واسعة ما زالت تعاني من عدم الاستقرار.
لذلك أرى أن الحوار المطلوب ينبغي أن يكون حواراً شاملاً لا حواراً محدوداً أو جزئياً. فإذا انعقد الحوار في ظل غياب أجزاء واسعة من الشعب السوداني أو مناطق لا تستطيع المشاركة بصورة حقيقية، فإن ذلك يضعف شرعيته ومخرجاته.
السودان ليس الخرطوم وحدها، وإنما هو دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض والجزيرة وسنار والشمالية والشرق وكل الولايات والمناطق.
تمثيل الأقاليم شرط أساسي
*لماذا تركزون على قضية التمثيل الجغرافي؟
لأن الحرب أثرت في جميع السودانيين بدرجات مختلفة. وهناك مناطق واسعة تضم أعداداً كبيرة من السكان، مثل دارفور وكردفان، إضافة إلى مناطق أخرى شهدت مواجهات أو تداعيات مباشرة للحرب.
السؤال هنا: كيف يمكن أن نتحدث عن حوار سوداني شامل إذا غاب سكان تلك المناطق أو لم يجدوا تمثيلاً حقيقياً؟
حتى المواطنين الموجودين في مناطق تسيطر عليها أطراف مسلحة لا يمكن افتراض أنهم جميعاً مؤيدون لتلك الأطراف. هناك مواطنون وجدوا أنفسهم تحت واقع عسكري لم يختاروه، وهؤلاء أيضاً جزء من الشعب السوداني ولهم الحق في التعبير عن رؤاهم.
*هل تعتقد أن الأزمة السودانية مرتبطة أيضاً بعلاقة المركز بالأقاليم؟
بالتأكيد. لا ينبغي أن ننظر إلى الأزمة باعتبارها صراعاً سياسياً في المركز فقط. هناك قضايا متراكمة في الأقاليم تتعلق بالتنمية والتمثيل والعدالة وتوزيع الموارد والسلطة.
إذا كان هناك مواطن في النيل الأبيض أو سنار أو دارفور أو كردفان يشعر بأن صوته غير مسموع، فإن تجاهل هذه المشاعر لن يؤدي إلى حل مستدام.
ولذلك فإن الحوار السوداني–السوداني الحقيقي يجب أن ينقل النقاش من مجرد تقاسم السلطة بين النخب السياسية إلى معالجة قضايا الشعب السوداني في الأقاليم والولايات.
*ما الشروط التي ينبغي توفرها في الجهة التي تدير الحوار؟
أهم شرطين هما الحياد والمقبولية.
لابد أن تكون الجهة التي تتولى تيسير الحوار مقبولة من مختلف السودانيين، وأن يشعر المشاركون بأنها لا تمثل طرفاً سياسياً أو عسكرياً بعينه.
فالوساطة شيء، والحوار شيء آخر. وإذا كانت الجهة المنظمة أو الميسرة للحوار محل خلاف كبير بين السودانيين، فإن ذلك يمكن أن ينعكس سلباً على العملية كلها.
المقبولية أمر أساسي في أي عملية سياسية؛ فإذا لم يشعر الناس بأنهم ممثلون أو أن الجهة المشرفة تحظى بثقتهم، فقد يتحول الحوار إلى مجرد اجتماع ينتهي دون نتائج حقيقية.
*وماذا عن مكان انعقاد الحوار؟
البيئة الآمنة عنصر أساسي. التجارب السودانية السابقة تؤكد أن المفاوضات والحوارات المهمة يمكن أن تنعقد في أماكن محايدة تتيح لجميع الأطراف الحضور دون خوف أو ضغوط.
وقد جرت اتفاقيات سلام سودانية سابقة في عواصم وأماكن محايدة، وهو أمر وفر للأطراف مساحة للحوار والتفاوض بصورة أكثر اطمئناناً.
لذلك فإن اختيار المكان المحايد والآمن يمكن أن يكون عاملاً مهماً في بناء الثقة بين المشاركين.
*هل تعتقد أن الأمن والاستقرار يسبقان الحوار السياسي؟
من الضروري توفير أكبر قدر ممكن من الأمن والاستقرار وتهيئة المناخ المناسب. لا يمكن أن نتوقع حواراً ناجحاً في ظل استمرار العمليات العسكرية وعدم قدرة قطاعات من الشعب على المشاركة بحرية.
وبالتالي يجب أن تسير عملية السلام وفق ترتيب منطقي: تهيئة المناخ، وبناء الثقة، وتحقيق قدر مناسب من الأمن والاستقرار، ثم الانتقال إلى حوار سياسي شامل.
*كيف تتصورون شكل الحوار بعد تهيئة الظروف المناسبة؟
أتصور وجود مسارين متكاملين.
الأول هو حوار سياسي يتناول قضايا الحكم والانتقال السياسي والدستور والعلاقة بين القوى السياسية والأطراف المختلفة.
والثاني هو حوار وطني شامل يتناول القضايا الأوسع التي تمس حياة السودانيين، مثل الاقتصاد والتنمية والتعليم والصحة والثقافة والمجتمع والإدارة والعلاقات بين المركز والأقاليم.
وهذان المساران لا يتعارضان، بل يكمل أحدهما الآخر.
*من هم المشاركون الذين يجب أن يشملهم الحوار؟
يجب ألا يقتصر الحوار على السياسيين والأحزاب. لابد من إشراك العلماء وأساتذة الجامعات والمهنيين والنقابات والأطباء والمهندسين والمزارعين والعمال والحرفيين، إلى جانب المرأة والشباب والطلاب ومختلف قطاعات المجتمع.
هذه الفئات لديها قضايا حقيقية ومباشرة، وينبغي أن تكون شريكاً في صياغة الحلول، وليس مجرد جمهور يتلقى نتائج الاتفاقات السياسية.
تمثيل الولايات والأقاليم ضرورة
كما يجب أن يكون هناك تمثيل حقيقي لكل الولايات والأقاليم، لأن السودان بلد متنوع، ولا يمكن بناء مشروع وطني من خلال مجموعة محدودة من النخب الموجودة في المركز.
نحتاج إلى أن يسمع أهل دارفور وكردفان والنيل الأزرق والنيل الأبيض والشرق والشمال والوسط صوتهم بأنفسهم، وأن يعبروا عن احتياجاتهم وتطلعاتهم.
*هل هناك فئات أخرى يجب أن تكون حاضرة؟
نعم، يجب ألا ننسى أصحاب الإسهامات التاريخية في بناء الدولة السودانية واستقلالها. السودان له تاريخ طويل من المشاركة الوطنية، ومن المهم أن نستفيد من تجارب ورموز الحركة الوطنية، وأن نربط الأجيال الجديدة بتاريخ البلاد وتضحيات أبنائها.
الحوار الوطني الحقيقي ينبغي أن يكون مساحة لاستيعاب التاريخ والحاضر والمستقبل، وليس مجرد تفاوض بين القوى المتصارعة.
“في ختام هذا الحوار، ما رسالتكم بشأن الحوار السوداني–السوداني؟
الحوار من حيث المبدأ مطلوب ومرغوب، لكن نجاحه مرتبط بتوفر شروطه الأساسية: الشمول، والحياد، والمقبولية، والتمثيل الحقيقي، والبيئة الآمنة.
نحن نحتاج إلى حوار لا يُقصي أحداً من المواطنين بسبب موقعه الجغرافي أو ظروف الحرب التي وجد نفسه فيها، ولا يختزل السودان في المركز أو في القوى السياسية وحدها.
الحوار السوداني–السوداني ينبغي أن يكون حواراً حقيقياً بين السودانيين حول مستقبل بلادهم، وأن يشارك فيه السياسيون والمجتمع المدني والمهنيون والشباب والمرأة والطلاب والأقاليم والولايات ومختلف قطاعات الشعب.
إذا تحقق ذلك، يمكن أن يتحول الحوار من مجرد لقاء سياسي إلى مشروع وطني لإعادة بناء الدولة وتحقيق السلام والاستقرار ومعالجة جذور الأزمة السودانية.
