د طارق عبدالله يكتب .. اتهام الجيش السوداني باستخدام الأسلحة الكيميائية.. أين الدليل

د طارق عبدالله يكتب .. اتهام الجيش السوداني باستخدام الأسلحة الكيميائية.. أين الدليل

المحجة البيضاء
د. طارق عبدالله

اتهام الجيش السوداني باستخدام الأسلحة الكيميائية.. أين الدليل؟

*تتواصل حملة إعلامية وسياسية تتهم القوات المسلحة السودانية باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب، وهي اتهامات بالغة الخطورة لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد مادة في حرب الدعاية، كما لا يجوز في المقابل تمريرها دون أدلة قابلة للفحص والتحقق.
المفارقة أن الجهات التي تردد هذه الاتهامات لم تقدم للرأي العام، حتى الآن، معلومات تفصيلية واضحة عن مكان استخدام السلاح الكيميائي، وتاريخ الهجمات، وطبيعة المواد المستخدمة، وأعداد الضحايا، والجهات التي قامت بالفحص الميداني أو أخذ العينات. وهذه ليست أسئلة هامشية، وإنما هي الحد الأدنى الذي ينبغي أن يصاحب اتهاماً بهذه الخطورة.
وتزداد علامات الاستفهام عندما تأتي الحملة في توقيت تشهد فيه جبهات القتال تحركات عسكرية للقوات المسلحة والقوات المساندة في كردفان ودارفور والنيل الأزرق. ومن هنا يحق للرأي العام أن يتساءل: هل نحن أمام معلومات موثقة تستوجب التحقيق الدولي، أم أمام رواية سياسية وإعلامية هدفها التأثير على مسار العمليات العسكرية والضغط على الحكومة السودانية؟
ولا يعني التشكيك في الاتهام رفض التحقيق. بل العكس؛ فإن الطريق الصحيح هو التحقيق المستقل والشفاف، وإعلان نتائج الفحوص والأدلة للرأي العام، بعيداً عن التسريبات والاتهامات السياسية.

*لقد شهد العالم حالات موثقة لاستخدام الأسلحة الكيميائية، كما حدث في حلبجة والغوطة، وكانت هناك آثار بشرية ومادية وفحوص وشهادات ووقائع ميدانية يمكن إخضاعها للتحقيق. ولذلك فإن السؤال المنطقي في الحالة السودانية هو: أين وقعت الهجمات المزعومة؟ وأين الضحايا؟ وما طبيعة الإصابات؟ وأين العينات والتقارير الفنية؟
وقد أعلنت الولايات المتحدة في وقت سابق أنها خلصت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024، وفرضت على خلفية ذلك إجراءات عقابية. غير أن غياب التفاصيل العلنية حول المواقع والتواريخ والمواد المستخدمة يجعل من المشروع مطالبة واشنطن بتقديم ما تستطيع نشره من أدلة وبيانات، حتى يتمكن الرأي العام والخبراء من تقييمها بصورة موضوعية.
أما إطلاق الاتهام دون تقديم أدلة قابلة للتحقق، فإنه يحوّل قضية خطيرة إلى أداة في الصراع السياسي والإعلامي.

*السلاح الكيميائي ليس تهمة عابرة؛ فهو جريمة خطيرة تستوجب أدلة بمستوى خطورتها. ولذلك فإن الموقف المهني لا ينبغي أن يكون الدفاع عن طرف أو إدانته مسبقاً، وإنما المطالبة بالحقيقة: أين استخدم؟ متى؟ كيف؟ ومن الضحايا؟ وأين الدليل العلمي؟
فإذا وُجدت أدلة حقيقية، فلتُعرض وتُحقق الجهات المختصة فيها. وإذا لم توجد، فإن تحويل الاتهام إلى حملة إعلامية منظمة لا يخدم الحقيقة، ولا يساعد السودانيين على الوصول إلى السلام، وإنما يضيف طبقة جديدة من التضليل إلى حرب أنهكت البلاد.
.