د. طارق عبدالله يكتب .. كامل إدريس.. حين أزعجت الانتقادات هدوء رئيس
المحجة البيضاء
د طارق عبدالله
كامل إدريس.. حين أزعجت الانتقادات هدوء رئيس الوزراء
*كنتُ حضوراً في لقاء فخامة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس بالإعلاميين المشاركين في ملتقى الإعلام، وكنت شاهداً على عدد من المداخلات التي طُرحت خلال اللقاء، من بينها مداخلة الأستاذة بخيتة أمين، ومداخلة أستاذنا عادل الباز. وما لفت انتباهي، وربما أثار قلقي، لم يكن مضمون المداخلتين بقدر ما كان طريقة الرد عليهما. فقد بدا رئيس الوزراء في لحظات من الحوار منفعلاً بصورة غير معهودة، وانتقل من شخصية هادئة ومتزنة إلى شخصية مهاجمة، بدا فيها أن النقد قد أصابه بالضيق، وأن الرد اتجه أحياناً إلى شخص السائل بدلاً من مناقشة جوهر السؤال. وهذه، في تقديري، ليست الصورة التي يحتاجها رئيس حكومة في مرحلة بالغة التعقيد؛ فالموقع التنفيذي الأول في الدولة يفترض قدراً أكبر من سعة الصدر، خصوصاً أمام الإعلاميين الذين تقع عليهم مسؤولية طرح الأسئلة الصعبة ومساءلة المسؤولين. الاختلاف مع السؤال لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع صاحبه، والنقد مهما كان قاسياً يظل جزءاً من المشهد العام الذي يفترض أن يتسع له رئيس الوزراء قبل غيره.
*أنا من الذين يرون أن الدكتور كامل إدريس واجه حملة مبكرة حتى قبل أن يتسلم أعباء السلطة، وأن بعض الأصوات حكمت عليه بالفشل قبل أن تمنحه فرصة حقيقية للعمل. لكن، في المقابل، لا يمكن أن تظل الحكومة أسيرة هذه الحجة إلى ما لا نهاية؛ فالسلطة تُقاس في النهاية بما تنجزه وما تقدمه للمواطن. وحتى الآن، لم تحقق الحكومة نجاحات كبيرة تشفع لها أمام واقع اقتصادي واجتماعي شديد القسوة؛ فقد تدهور الاقتصاد، وارتفعت معاناة المواطنين، وظلت الخدمات الأساسية دون المستوى المأمول. وحتى بعض الخطوات التي تحققت لم تكن نتاجاً لجهد الحكومة وحدها، وإنما أسهمت فيها جهات أخرى، وفي مقدمتها لجنة تهيئة الخرطوم التي قادها الفريق أول إبراهيم جابر. والأكثر إزعاجاً أن بعض التصريحات الحكومية تحولت إلى التزامات زمنية أمام الرأي العام ثم انقضت مواعيدها دون أن يرى المواطن النتيجة. ولعل تصريح رئيس الوزراء أمام جسري شمبات والحلفايا، وتحديده زمناً لإعادة فتحهما، مثال واضح؛ فقد انقضت المدة وما زال الجسران في مكانهما، بينما ينتظر الناس جديداً يلمسونه على الأرض.
*صورة رئيس الوزراء لا يمكن استعدالها بالبيانات ولا بردود الفعل الانفعالية، وإنما بالإنجاز. والمشهد الذي ظهر فيه الدكتور كامل إدريس خلال مؤتمر السلام في روتانا، وما صاحبه من انفعالات، خصم كثيراً من صورته كرجل هادئ ومتزن، وهي إشكالية يمكن معالجتها بسهولة نسبية إذا أحاط نفسه بمستشارين أكفاء في الاتصال والإعلام وإدارة الأزمات، فهؤلاء موجودون أصلاً لمثل هذه المهام، وليس عيباً أن يستعين المسؤول بخبراتهم. لكن الأهم من المستشارين هو أن تستعيد الحكومة ثقة الناس عبر عمل ملموس: كبح جماح الدولار، السيطرة على ارتفاع الأسعار، تحسين الخدمات، وتسريع الملفات التي تمس حياة المواطنين مباشرة. الدكتور كامل إدريس لا يحتاج إلى معركة مع الإعلام، ولا إلى الانتصار على منتقديه، بل يحتاج إلى أن ينتصر في معركة الإنجاز. فالناس لا تحاكم رئيس الوزراء فقط بما يقوله، وإنما بما تراه أمامها. وفي هذه المرحلة، يحتاج كامل إدريس إلى إنجازات كبيرة تعيد إليه الثقة التي بدأت تتآكل، وتثبت أن الرجل الذي قُدِّم للسودانيين بوصفه شخصية هادئة وخبيرة قادر على أن يكون، في لحظة الأزمة، هادئاً في خطابه وحاسماً في فعله.
