بشارة جمعة أرور يكتب ..حين يُنزل اللاعبون من صياصيهم !!
بشارة جمعة أرور
حين يُنزل اللاعبون من صياصيهم !!
________________
من التي ومن الذي يستثمر في الارتباك؟
________________
“ليس خطأً في التقدير، ولا سوء حظ سياسي، ولا نتيجة طبيعية لتعقيد المرحلة، بل نتاج هندسة دقيقة للارتباك. الارتباك لا ينشأ عفوياً، بل يُصنع، ويُدار، ويُستثمر فيه بوعي كامل. هنا لا تضيع الدولة لأنها ضعيفة فحسب، بل لأنها تُمنع من أن تكون قوية، ويُحال بينها وبين كل لحظة تماسك أو قرار حاسم.”
لقد جرى تفكيك فكرة الدولة إلى أجزاء متفرقة: مرة باسم التوافق، ومرة تحت ستار تفادي الصدام، ومرة أخرى بذريعة الواقعية السياسية الظرفية…، وفي كل مرة، كان الوطن يدفع الثمن الباهظ.
لم يعد الخلل في الأشخاص وحدهم، بل في منظومة كاملة تتغذى على التعليق، وتعيش على تأجيل الحسم، وتربح من بقاء البلاد بلا اتجاه واضح.
وحين يُنزل اللاعبون من صياصيهم، لا تسقط المواقع فقط، بل ستتفتت الأقنعة، وستنهار الروايات التي طالما احتموا بها…، في تلك اللحظة، يظهر الارتباك لا كحالة أو ظاهرة، بل كأداة حكم؛ أداة لإعادة التموضع، وإطالة الزمن السياسي، وإفراغ أي مسار يقترب من لحظة القرار.
هنا يتحول السؤال من استفهام سياسي إلى مشرط يُقص الواقع بلا مواربة: من التي…؟ ومن الذي يستثمر في هذا الارتباك؟ من الذي يربح كلما طال الانتظار؟ ومن التي لا يظهر اسمها في الواجهة، لكنها حاضرة كلما أُجهض مسار، أو انكسر أمل، أو أُعيدت البلاد خطوة إلى الخلف؟
السودان لا يمر بأزمة حكم فحسب، بل يعيش أزمة تعريف الدولة وحدود سلطاتها وصلاحياتها وسياساتها…، ما يجري ليس فوضى تلقائية، بل مسار تعطيل منظّم، تُخلط فيه الصلاحيات، وتُربك فيه المسؤوليات، وتُفرغ فيه المبادرات كلما اقتربت من الحسم…، نعم، دولة تُدار في منطقة رمادية؛ لا قرار سيادي يُتخذ، ولا مسار تنفيذي يُستكمل…، حتى غدا التعليق الدائم هو السياسة الوحيدة غير المعلنة المتوافق عليها.
لهذا، لم يعد السؤال الحقيقي: من يحكم؟ بل السؤال الذي يفضح البنية العميقة للأزمة: من التي تُمسك بالخيوط كلما اقتربت البلاد من مخرج؟ ومن الذي يتكفل بإعادة كل مسار إلى نقطة الصفر؟
ولمن يدعي أن السودان يعاني من فراغ في الرؤى، فإن الوقائع الموثقة بين عامي 2023م و2025م تكذب هذا الزعم بوضوح.
خلال هذه السنوات، طُرحت مشاريع سياسية متعددة، وخارطة طريق متكاملة…، ومبادرات وطنية ومجتمعية ذات وزن حقيقي…، لم تكن المشكلة يوماً في نقص الأفكار أو الرؤى أو البرامج، بل في قرار غير معلن بإفشالها كلما لامست جوهر السلطة والسيادة.
في عام 2023م، قُدّمت خارطة انتقال واضحة ربطت وقف الحرب بإعادة بناء السلطة المدنية وترتيبات أمنية مرحلية، وُضعت جانباً لأنها طالبت بقرار سيادي مستقل لا يحتمل التأجيل. وفي عام 2024م، ظهرت مبادرة جامعة بسقف زمني ومحددات للمحاسبة؛ استقبلت بترحيب إعلامي واسع، ثم أُفرغت من مضمونها عبر آليات إجرائية لا تنتهي، وفي العام ذاته، طُرحت رؤية إصلاح مؤسسي عميقة أعادت تعريف العلاقة بين المركز والهامش، وربطت السلام بالتنمية لا بالمحاصصة، وُصفت بأنها “غير واقعية” لأنها اقتربت من مناطق محرّمة.
ثم جاء أكتوبر 2025م كنقطة اختبار حقيقية؛ حيث تمت إجازة رؤية وطنية للسلام والتحول الديمقراطي من قِبل قوى وطنية سياسية، وبحضور الفريق أول شمس الدين كباشي، رئيس اللجنة السياسية المكلّفة من مجلس السيادة للتواصل مع القوى السياسية. لحظة بدت وكأنها تؤسس لانتقال نوعي من إدارة الأزمة إلى حلها…، رؤية لم تكن بيان نوايا، بل إطاراً سياسياً متكاملاً يعالج جذور الصراع، ويعيد الاعتبار للقرار الوطني. غير أن ما حدث لاحقاً كان أكثر كشفاً من أي خطاب: بدل تثبيت الرؤية في مستواها السيادي، جرى إنزالها قسراً إلى مسار تنفيذي، عبر تحويل الملف إلى رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس.
هنا انكشفت المعضلة كاملة،عندما قاطعت قوى الحراك الوطني وأحزاب وتنظيمات أخرى هذا المسار، لا رفضاً للرؤية، بل اعتراضاً على تغيير طبيعتها؛ باعتبار أن المشروع سياسي سيادي، لا يجوز اختزاله في مسار تنفيذي يخضع للتجاذب أو التفريغ…، لم يكن ذلك خلافاً إجرائياً، بل علامة وأضحة على مرض الدولة: حين يُنجَز توافق سيادي، ثم يُعاد إنزاله إلى مستوى لا يحتمل وزنه، فيتعطّل، ويُفرغ، ويُترك معلّقاً…
هنا لا نفشل لأننا لا نعرف الطريق، بل لأن الطريق يُغير عمداً كلما اقتربنا من نهايته، وهكذا تتأكد الحقيقة القاسية: المشكلة ليست في كثرة المبادرات، بل في غياب جهة تملك الجرأة على تثبيت القرار حيث يجب أن يكون…، تلك هي سياسة تدوير المسارات، وتنازع الصلاحيات، وتحويل القضايا المصيرية إلى ملفات إدارية، وهي ليست أعراض الأزمة، بل جوهرها العميق.
في هذا الفراغ المصنوع، الذي يبدو بلا قاع، يتحرك العامل الخارجي بثقة فائقة؛ لا يفرض نفسه بالقوة، بل يستثمر الارتباك الداخلي، ويقرأ الانقسامات بدقة متناهية، ويعرف متى يدفع بمسار إلى الأمام، ومتى يتركه ليتآكل، تاركاً المبادرات حبيسة التأجيل، والقرار معلقاً بين الممكن والمؤجل، فيصبح الوطن بأكمله أسير الفراغ نفسه، ولا ينجح في ذلك إلا بوجود وسطاء في الداخل يمارسون التعطيل بالصمت لا بالمواجهة.
وسط هذا كله، يُحشر الشعب في موقع المتلقي والمنتظر، تُقنعه بالمرونة عوض المشاركة، وتُفرض عليه الصبر عوض المساءلة، وكأن أوجاعه مكتوبة مسبقًا، بعيدة عن أثر أي خيار سياسي مسؤول.
وهكذا تُدار الدولة بعقلية إدارة الألم لا إنهائه…، ومن هنا، فإن سؤال: من التي ومن الذي؟ ليس مجرد حشو لغوي، بل مفتاحٌ يكشف كل التلاعب بالمبادرات، ويضيء على الجهات التي أعادت البلاد إلى نقطة الصفر، ويفضح كل مسار أُجهض عن قصد، إنه حساب تاريخي مفتوح لكل من أعاق المبادرات، وغيّر مساراتها، وخلط بين الصلاحيات السيادية والتنفيذية بما يخدم مصالح ضيقة، تاركاً البلاد معلّقة بين الممكن والمؤجّل.
السودان لا يحتاج مزيداً من المؤتمرات واللقاءات والأوراق، فقد كُتبت بما يكفي. إنه يحتاج قرارات سيادية شجاعة، تُحترم بها المسارات، وتُثبّت الأشياء في مواقعها الصحيحة. يحتاج من يفهم أن التحول لا يُدار بالالتفاف، وأن الدولة لا تُبنى بالمناورة، وأن التاريخ لا يمنح أعذاراً لمن عرف الطريق واختار تعطيله.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب وحدها، ولا الانقسامات، ولا التدخلات الخارجية، بل تطبيع الفشل وتحويله إلى أسلوب حكم. لقد قُدّمت الأفكار، وطُرحت الرؤى، وأُنجزت التوافقات، وشهد التاريخ القريب بذلك. وما فشل لم يفشل لعجزه، بل أُفشل عمداً.
ولهذا، سيبقى السؤال قائماً، لا ليُجاب عليه في ندوة، ولا ليُؤجل في بيان، بل ليُلاحق الجميع بلا استثناء:
من التي؟ ومن الذي؟
ومن الذي استثمر في الارتباك؟
ومن الذي حوّل الفرص إلى خيبات؟
ومن الذي سيُسأل غداً، حين يفتح التاريخ دفاتره ولا يجد سوى الأعذار؟
#التي_والذي_استثمر_في_الارتباك
كن جاهزاً… فإن سمير ماشي
