نادي كوبر يصّعد قضيته ..بيان
الخرطوم : الراية اليوم
اصدر نادي كوبر الرياضي بيان كشف فيه عن الظلم الذي لحق بالنادي من قبل الاتحاد العام لكرة القدم
نص البيان
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الله تعالى في محكم تنزيله “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ” سورة النساء – الآية 135
حين يصمت الحق أمام الباطل فذلك جُبن، وحين يُكتم الظلم خشية السلطة فذلك خيانة، وحين تُسخَّر الجهات المنوط بها صون العدالة لخدمة نتائج محددة سلفاً فذلك هو الانهيار بعينه. ومن هذا المنطلق يتقدم نادي كوبر الرياضي العريق – الذي أضاء ملاعب السودان منذ عام 1943 ولم يتنازل يوماً عن مبدأ – ببيانه هذا إلى كل من يحمل في قلبه ذرةً من حب الكرة السودانية ومبادئ العدالة الرياضية، ليضع أمام الرأي العام كاملَ الحقيقة التي حاول بعضهم طمسها، ويكشف بالوقائع والمستندات ما تعرّض له النادي من ظلم فادح، لم تسلم منه حتى الجهات التي يُفترض فيها أن تكون حارسة العدل وصائنة اللوائح لا موظَّفةً في خدمة الأقوياء.
الجريمة الأولى: لاعب بوجهين في نظام واحد
بتاريخ 14 فبراير 2026م، وفي خضم منافسات الدوري الممتاز، أشرك نادي الشرطة القضارف في مواجهته أمام كوبر لاعبَه محمد داؤود عبد الله، الذي ثبت بالدليل القاطع أن إجراءات تسجيله القانونية في الأنظمة الدولية الرسمية لم تكتمل قط. فهذا اللاعب – وهو محترف متمرس سبق أن لعب لأندية سودانية كبرى من بينها المريخ الخرطوم وهلال كادوقلي ونادي كوبر نفسه، قبل انتقاله الدولي إلى نادي الفتح الليبي – سُجِّل في نادي الشرطة القضارف لا بوصفه لاعباً منتقلاً كما تستوجب اللوائح بلا مراء، بل بوصفه “لاعباً جديداً” يخطو أولى خطواته في عالم الكرة، وكأن تاريخه الكروي الحافل قد مُحي بجرّة قلم وصفحاته طُويت دفعةً واحدة. وفي هذا التوصيف الزائف وحده تكمن المخالفة الجوهرية التي تنقض كل ادعاءات صحة التسجيل من أساسها.
بيد أن الأنظمة الإلكترونية الرسمية للفيفا كشفت عن خلل أعمق وأخطر مما كان يُتصوَّر؛ إذ تبيّن أن اللاعب يحمل سجلَّين نشطَّين داخل النظام الدولي، باسمين مختلفين واثنين من أرقام التعريف الدولية، وأن النظام اضطر بنفسه إلى إجراء عملية دمج مسجّلة بنصه الحرفي (TMS ID 201954 merged with 186286)، وهي عملية لا تحدث إلا حين يكتشف النظام وجود هويتين رقميتين لشخص واحد – وهو ما يعرفه خبراء تقنية التسجيل الدولي بـ “Duplicate Player Record”: شخص بهويتين، لاعب بوجهين. والأفدح من ذلك كله أن اسم اللاعب في جواز سفره المودع في النظام هو Mohamed Dawood Abdalla، في حين سُجِّل بنادي الشرطة القضارف باسم Mohamed Da00d Abdalla – اسم مغلوط لا يطابق أي وثيقة رسمية، في انتهاك سافر للقاعدة الراسخة التي تجعل جواز السفر المرجعَ الأعلى والوحيد لإثبات هوية اللاعب. فمن أدخل هذا الاسم المغلوط؟ ولماذا؟ وهل كان ذلك سهواً أم قصداً؟ أسئلة تطرح نفسها ولا يملك أحد إجابة مقنعة عنها.
الجريمة الثانية: عدالة مُعطَّلة في ثلاث محطات
لم يلجأ نادي كوبر إلى العلن إلا بعد أن استنفد كل سبل الحق عبر القنوات الرسمية المشروعة، وفي كل مرحلة أبدى النادي من الحجج والمستندات ما شهدت على قوته ورصانته حتى الجهات التي ردّته.
المحطة الأولى – لجنة المسابقات: الباب الموصد:
حين تقدّم النادي بشكواه الرسمية بتاريخ 15 فبراير 2026م، جاء الرد صادماً في سرعته وأشد صدمةً في خلوّه من أي تسبيب حقيقي، فقد أصدرت اللجنة قرارها برفض الشكوى مكتفيةً بإحالة عامة إلى إفادة لجنة أوضاع اللاعبين، دون أن تتفضّل بمناقشة ولو دليل واحد من الأدلة الجوهرية المقدمة، أو الرد على حجة واحدة من الحجج المثارة. وهو سلوك لا يعكس اضطلاعاً بمهام القضاء الرياضي بقدر ما يعكس رغبة مسبقة في إسدال الستار بأسرع وقت ممكن، والمضي إلى ما بعده.
المحطة الثانية – لجنة الاستئنافات الأولى: الإطراء والإجهاز:
تقدّم النادي باستئنافه في 16 فبراير 2026م، فجاء استئناف كوبر – بشهادة لجنة الاستئنافات ذاتها – محكماً ورفيعاً، حتى أثنت اللجنة في حيثيات قرارها على المذكرة الاستئنافية بأنها جاءت “بصياغة قانونية محكمة وحجج قوية” ثم – وبعد هذه الشهادة المُسبَقة على قوة الحق – فوجئ النادي في 14 مارس 2026م بقرار يقبل الاستئناف شكلاً ويرفضه موضوعاً. فكأن المنطق المعتمد هو: نُقرّ بأن حجتك قوية، ثم نرفضها لأنها حجتك أنت. واستندت اللجنة في تبرير رفضها إلى إفادة إدارية مجردة من لجنة أوضاع اللاعبين، متجاوزةً الأنظمة الإلكترونية الرسمية للفيفا وما تحمله من دلالات تقنية حاسمة – وهو ما يمثّل في حد ذاته تنازلاً صريحاً عن سلطة التقدير القضائي المستقل، واستبدالاً للدليل الفني بالتزكية الإدارية.
المحطة الثالثة – طلب الفحص والمراجعة: البحث الذي لم ييأس:
لم يستسلم النادي، بل واصل تقصّيه الفني ليكتشف وقائع تقنية جديدة وجوهرية لم تكن مطروحة أمام اللجنة، من أبرزها: وثيقة الدمج في نظام TMS، والرد الرسمي من Helpdesk FIFA المؤكِّد بنصه الصريح أن التحقق من تاريخ تسجيل اللاعب مسؤولية الاتحاد الوطني لا نظام TMS وحده. فتقدّم النادي بمذكرة فحص ومراجعة في 28 مارس 2026م، مصحوبةً بمستندات تقنية لم تكن أمام اللجنة قط عند إصدار قرارها الأول.
قرار 25 أبريل: الاعتراف الذي لم يُكمَل:
بتاريخ 25 أبريل 2026م – الذي استلمه النادي رسمياً بتاريخ 28 أبريل – أصدرت لجنة الاستئنافات قراراً يحمل في شقه الأول اعترافاً تاريخياً بأن ما ظل نادي كوبر يقوله منذ اليوم الأول كان حقاً وصواباً لا مراء فيه. فقد ألغت اللجنة قرارها السابق المؤيد للمسابقات – وهو في ذاته إقرار دامغ بأن ذلك القرار كان مشوباً بعيب جوهري – ووجّهت لجنة أوضاع وانتقالات اللاعبين بتصحيح بيانات اللاعب داخل النظام الإلكتروني، مُعترفةً صراحةً بوجود خلل فني وإداري تمثّل في تعدد السجلات واختلاف التهجئة وتعدد الأرقام التعريفية، وبأن اللاعب سُجِّل بصفة “لاعب جديد” رغم سبق تسجيله محلياً ودولياً. ثم جاء ما يصعب على كل عاقل استيعابه وما لا يقبله أي منطق سليم: فبعد كل هذه الاعترافات، وبعد أن أسقطت اللجنة قرارها السابق ووجّهت بتصحيح الخلل الذي أقرّت به بنفسها – انتهت إلى إعادة المباراة بدلاً من تطبيق النص الصريح الحاسم الوارد في لائحة المسابقات والذي لا يقبل التأويل ولا الاجتهاد: “يفقد النادي الذي يثبت أن اشتراك لاعبه غير قانوني نتيجة المباراة صفر/2” وهنا تكمن الفضيحة الحقيقية في مشهدها الكامل: أن تُقرّ لجنة بالخطأ وتُلغي قرارها، ثم تأبى تطبيق الأثر القانوني الحتمي الذي يفرضه ذلك الإقرار – فهذا ليس اجتهاداً قانونياً ولا تقديراً فقهياً، بل هو تفريغ مُتعمَّد للوائح من محتواها، وإفلات منظَّم من عواقب المخالفة الثابتة. ويقودنا هذا حتماً إلى سؤال لا مناص من طرحه بصوت عالٍ: لمصلحة من تُفرَّغ اللوائح من محتواها؟ ومن المستفيد من ألّا تُطبَّق العقوبة رغم ثبوت المخالفة؟
الكيل بمكيالين: حين يصبح التناقض نظاماً:
ولعل أشد ما يؤلم الضمير الرياضي في هذه القضية أنها ليست المرة الأولى التي تواجه فيها لجنة الاستئنافات وقائع من هذا النوع. فقد سبق لها أن نظرت في قضية نادي الفجر الأبيض ضد الزمالة أم روابة، وهي قضية تطابق وقائعها وقائع قضية كوبر بشكل يستعصي على الإنكار: اختلاف في تهجئة الاسم، وتعدد في أرقام التعريف، وعدم اكتمال إجراءات الانتقال. ففي تلك القضية قضت اللجنة بقبول الاستئناف وإلغاء نتيجة المباراة دون تردد ولا تلعثم. أما في قضية نادي كوبر، وقد تكررت ذات الوقائع بل وزادت عليها مخالفات إضافية، فقد انتهت اللجنة إلى نتيجة مغايرة تماماً دون أن تتكرّم بتفسير هذا التباين بكلمة واحدة أو سطر واحد.
وهذا الصمت في حد ذاته أبلغ من أي كلام، لأن قضاءً رياضياً يُصدر أحكاماً متناقضة في وقائع متطابقة إنما يثبت أنه لا يحكم بالقانون بل بالهوى، ولا يحمي النزاهة بل يُسخَّر لخدمة أجندات لا علاقة لها بنص اللائحة. ويبقى السؤال الجوهري معلقاً في الهواء وجاثماً على الضمير: لماذا يُطبَّق على الفجر الأبيض ما لا يُطبَّق على الشرطة القضارف؟ وأيّ اعتبار يجعل النادي الصغير يخضع للعقوبة بينما يُجار على النادي الآخر؟ ومتى يعلم الجميع من يتصل بالقرار ومن يدير الكواليس؟ ولا يغيب عن ذي بصيرة دلالة بالغة في أن قرار اللجنة الأخير لم يصدر بالإجماع، وأنه استغرق أكثر من شهر كامل من الدراسة والمراسلات وإعمال العقل – وهو ما يكشف أن القضية لم تكن يوماً بسيطة ولا الأدلة شحيحة، بل كانت تحمل من الثقل القانوني والفني ما يكفي لإسقاط قرارات ثلاثة لا قرار واحد. فإذا كانت القضية بهذه البداهة وهذا الوضوح كما يدّعي بعضهم، فلماذا احتاج قرارها إلى شهر كامل واستشارات ومراسلات ومخالفة في التصويت؟
الجريمة الأخيرة: إغلاق باب العدالة الدولية:
وقد أراد نادي كوبر استيفاء حقه أمام محكمة التحكيم الرياضي الدولية (CAS) في المهلة القانونية المقررة، غير أن تباطؤ الاتحاد السوداني في إبلاغ النادي بالقرار – إذ صدر القرار بتاريخ 25 أبريل ولم يُبلَّغ به النادي رسمياً إلا في 28 أبريل – أفضى إلى انقضاء تلك المهلة قبل أن يتسنى للنادي استيفاء إجراءاته. وبهذا يكون الاتحاد قد أضاف إلى مظالم النادي مظلمةً جديدة من نوع آخر: لم يكتفِ بإهدار الحق داخل أروقته، بل تعمّد إغلاق الباب أمام كل مرجعية دولية يمكن أن تُنصف النادي خارجها.
بيد أن نادي كوبر الرياضي – وهو يُدرك تماماً ما جرى وما دُبِّر- قد عقد العزم على المضي إلى محكمة التحكيم الرياضي الدولية (CAS) رغم ذلك كله، ليس تحدياً للإجراءات بل دفاعاً عن الحق وكشفاً للحقيقة. وسيتولى النادي شرح ما جرى للمحكمة الدولية بكل تفاصيله وأدلته الموثقة، مؤكداً أن التأخير في الإبلاغ لم يكن سهواً ولا إهمالاً، بل كان فعلاً مقصوداً ومدبَّراً من لجان الاتحاد السوداني لكرة القدم بهدف إسقاط حق النادي في التقاضي الدولي وإغلاق آخر أبواب العدالة أمامه. وسيكون ملف نادي كوبر أمام CAS شاهداً لا على قضية مباراة واحدة فحسب، بل على منظومة كاملة تتآمر على العدالة الرياضية وتُوظِّف الإجراءات أداةً للظلم لا سياجاً للحق.
نادي كوبر لا يطلب هبة ولا يستجدي تعاطفاً، يطلب فقط ما تنص عليه اللوائح بصريح العبارة وما أقرّت به لجنة الاستئنافات في حيثياتها الأخيرة. والفارق الوحيد بين موقف النادي وموقف الاتحاد هو أن النادي يريد تطبيق اللائحة على الجميع بمعيار واحد، بينما يُصرّ الاتحاد على أن بعض الأندية أكثر مساواةً من غيرها.
إن كرة القدم السودانية لن تنهض يوماً طالما ظلت العدالة امتيازاً يُمنح لا مبدأً يُطبَّق، وطالما ظلت اللوائح قفصاً يُحبَس فيه الضعيف ويُفتح بابه للقوي، وطالما ظل الكيل بمكيالين سياسةً ضمنية لا يُعترض عليها ولا يُحاسَب أصحابها. ما جرى لنادي كوبر ليس مجرد نزاع على نقاط مباراة، بل هو محك حقيقي لمصداقية المنظومة الرياضية بأسرها: هل تُطبَّق اللوائح على الجميع بمعيار واحد؟ هل يُحاسَب من يُخالف إجراءات التسجيل بصرف النظر عمّن يكون؟ هل تنتهي قضايا الأهلية بنص اللائحة أم بتقدير يتبدل من حالة إلى أخرى؟
ونادي كوبر، بثمانية وثمانين عاماً من العطاء والمبدأ، سيبقى في طليعة من يرفضون هذا المنطق المعوج، ويُصرّون على أن ينتصر القانون على الهوى، وتسبق العدالة السلطة، وتتقدم اللائحة على الاعتبار والمحاباة. لأن الظلم – مهما طال أمده – لا يصبح حقاً، والحق – مهما اشتدت المقاومة ضده – لن يموت.
والله من وراء القصد
مجلس إدارة نادي كوبر الرياضي
الخرطوم – مايو 2026م
