د. طارق عبدالله يكتب .. النيل الأبيض.. ولاية الاعجاز .. صنعت من الحصار قوة ومن الحرب فرصة

د. طارق عبدالله يكتب ..  النيل الأبيض.. ولاية الاعجاز .. صنعت من الحصار قوة ومن الحرب فرصة

المحجة البيضاء
د طارق عبدالله

النيل الأبيض.. ولاية الاعجاز .. صنعت من الحصار قوة ومن الحرب فرصة

في قلب السودان تقف ولاية النيل الأبيض، واحدة من أهم الولايات ذات الثقل الاقتصادي والاستراتيجي، ليس فقط بحكم موقعها الرابط بين وسط البلاد وجنوبها، وإنما بما تمتلكه من قاعدة صناعية وزراعية تجعلها رقماً مهماً في الاقتصاد السوداني. وتبرز الولاية بوصفها ولاية صناعية بامتياز، تحتضن مصنع سكر كنانة، أحد أكبر مصانع السكر في أفريقيا والوطن العربي، إلى جانب عدد من المنشآت الإنتاجية التي تمثل ركائز أساسية للصناعة السودانية.
غير أن هذه المكانة جعلت الولاية خلال الحرب هدفاً لضغوط أمنية واقتصادية وسكانية غير مسبوقة. فقد تعرضت للحصار والتهديد من اتجاهات متعددة، وامتدت سيطرة المليشيا المسلحة إلى أجزاء من القطينة وأم رمتة ومناطق على الحدود الجنوبية، بما وضع الولاية أمام اختبار بالغ التعقيد.
ولم يكن التحدي عسكرياً وحده؛ فقد استقبلت الولاية ما يقارب ثلاثة ملايين نازح، إلى جانب أكثر من 600 ألف لاجئ فروا من الحرب في دولة جنوب السودان، لتجد حكومة الولاية نفسها مطالبة بتوفير السكن والمياه والكهرباء والرعاية الصحية والتعليمية لملايين إضافية، بالتزامن مع المحافظة على الخدمات الأساسية للسكان الأصليين.
في هذه الظروف برزت أهمية القيادة الإدارية للوالي الفريق الركن قمر الدين محمد فضل المولى، الذي اتجه إلى اختيار حكومة تعتمد على الكفاءة المهنية، مع تعزيز التنسيق والعمل الجماعي بين مؤسسات الولاية. وقد انعكس ذلك في قدرة الجهاز التنفيذي على إدارة الأزمة، وعدم السماح للضغط السكاني والأمني بأن يتحول إلى انهيار شامل لمؤسسات الدولة.
واللافت أن النيل الأبيض لم تكتفِ بالصمود، بل حاولت تحويل الأزمة إلى فرصة للإنتاج. فبالرغم من استهداف منشآت المياه والكهرباء ومحطة أم دباكر، واصلت الولاية جهودها لرفع الإنتاج وإعادة تشغيل المصانع، وفي مقدمتها مصنع سكر كنانة، إلى جانب مصنع المشرقة الذي واصل نشاطه واستوعب أكثر من 550 عاملاً وموظفاً.
وهنا تكمن القصة الأهم: النيل الأبيض لم تواجه الحرب بمنطق البقاء فقط، وإنما بمنطق الإنتاج. فاستمرار المصانع يعني استمرار فرص العمل، وحماية دورة الاقتصاد، وتوفير السلع، والحفاظ على حضور الصناعة السودانية في الأسواق.
ومع وصول منتجات مصنع المشرقة إلى الأسواق الأوروبية، واستمرار حضور منتجات كنانة في الأسواق الإقليمية، تبدو الولاية أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف موقعها الاقتصادي. فإذا نجحت في استثمار مواردها، وتطوير بنيتها التحتية، وجذب الاستثمارات، فإن النيل الأبيض لا تملك فقط مقومات الصمود، بل مقومات التحول إلى واحدة من أبرز القلاع الصناعية في أفريقيا.
إن تجربة النيل الأبيض خلال الحرب تقول بوضوح إن الولايات لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، وإنما بقدرتها على إدارة الأزمات وتحويل المحن إلى فرص. والنيل الأبيض، بما حققته من صمود وإنتاج، تثبت أن الحصار يمكن أن يتحول إلى حافز، وأن الحرب ـ رغم كلفتها ـ يمكن أن تدفع نحو بناء اقتصاد أكثر اعتماداً على الإنتاج والصناعة.