د. طارق عبدالله يكتب .مسعد بولس تحت طائلة المساءلة.. أين كان من خروقات قرار حصار الفاشر؟

د. طارق عبدالله يكتب .مسعد بولس تحت طائلة المساءلة.. أين كان من خروقات قرار حصار الفاشر؟

مسعد بولس تحت طائلة المساءلة.. أين كان من خروقات قرار حصار الفاشر؟

بقلم: د. طارق عبدالله

عندما كانت مدينة الفاشر ترزح تحت حصار خانق، أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً يطالب برفع الحصار وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية. غير أن الوقائع التي تلت ذلك أظهرت محدودية أثر القرار على الأرض، إذ استمر الحصار والتضييق على المدينة، وتفاقمت الأوضاع الإنسانية، وصولاً إلى موجات من القتل والنزوح والانتهاكات التي خلّفت واحدة من أكثر المآسي دموية في مسار الحرب السودانية، تثير مواقف مسعد بولس، المبعوث الأمريكي الخاص إلى أفريقيا، انتقادات واسعة داخل السودان، بسبب ما يراه مراقبون انحيازاً واضحاً في خطابه ومقارباته السياسية. فمنذ توليه مهمته، بدت مواقفه، في نظر قطاعات سودانية، أقرب إلى ممارسة ضغط سياسي على الدولة السودانية ومؤسساتها، و لا تخجل المؤسسة الدولية من عدم تنفيذ قراراتها السابقة لتعود وتناقش ازمة جديدة لتصدر قرارات فيها دون الاهتمام بنتائج قراراتها السابقة وهذا يطرح تساؤلات مشروعة حول جدية المجتمع الدولي في حماية المدنيين وتطبيق قراراته بصورة جادة ويتساءل ما قيمة القرارات الدولية إذا كانت الجهة التي تنتهكها لا تواجه إجراءات رادعة؟ وما جدوى إصدار قرارات جديدة إذا لم تتم محاسبة من تجاهل القرارات السابقة؟

لم تكن أزمة الفاشر مجرد تطور عسكري عابر، وإنما كانت اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين وإنفاذ قراراته. وكان من الطبيعي أن يتبع صدور قرار مجلس الأمن تحرك سياسي ودبلوماسي واضح للضغط على الطرف الذي يرفض تنفيذه، مع تحديد المسؤوليات ومساءلة المتسببين في استمرار الحصار ولكن غياب الحزم الدولي في مواجهة خروقات القرار يفتح الباب أمام تساؤلات أكبر حول ازدواجية المعايير في التعامل مع أطراف الحرب السودانية ومن هنا تأتي المساءلة السياسية والأخلاقية لمبعوثين دوليين مثل مسعد بولس: إذا كان المجتمع الدولي يطالب الحكومة السودانية بالالتزام بالقرارات الدولية، فلماذا لا يُمارس الضغط ذاته على القوى المسلحة التي تنتهك تلك القرارات؟

المثير للانتباه، وفق قراءة واسعة للمشهد السوداني، أن الضغوط الدولية تتصاعد كلما بدأت موازين الحرب تميل نحو إمكانية تحقيق الجيش السوداني تقدماً عسكرياً أو كلما لاحت في الأفق فرصة لتحريك مسار سياسي يمكن أن ينهي الحرب وبدلاً من ترك التطورات على الأرض تأخذ مسارها الطبيعي، تظهر الضغوط السياسية من اكبر اجهزة العدالة الدولية او من الولايات المتحدة الامريكية بإصدار قرارات تستهدف وقف تقدم الجيش او الحلول المطروحة او دعوات للتهدئة ووقف العمليات و تختفئ تلك الاساليب عندما تمارس المليشيات الانتهاكات الإنسانية وتقتل وتنهب و تغتصب وتدمر المدارس والمستشفيات وتطلق المسيرات على مشروعات البنية التحتية ويبقى إن السلام المستدام لا يُبنى على منع طرف من تحقيق تقدم عسكري، و إنما على معالجة جذور الأزمة ومحاسبة من ارتكب الانتهاكات، وتهيئة الظروف التي تقود إلى تسوية سياسية عادلة لا تكافئ من حمل السلاح ضد الدولة وتضعه ندا” لجيشها النظامي وتساوي بينهما، وفي كثيرا” من الاحيان تبدوا القرارات والمواقف الدولية كأنها تنطلق من سردية أحادية للحرب، تُختزل فيها الأزمة في صورة واحدة، بينما يتم تجاهل تعقيداتها وتعدد أطرافها ومصادر تمويلها و تسليحها.

نجح الموقف الروسي داخل مجلس الأمن في طرح جانب مهم من الصورة، من خلال التمييز بين استهداف المواقع العسكرية وبين الاعتداء على الأعيان المدنية والمنشآت الخدمية. وهي قضية ينبغي أن تخضع للتحقيق المستقل، خصوصاً أن تقارير دولية عديدة وثقت انتهاكات جسيمة ارتكبتها المليشيات المسلحة في الحرب ويبقى المطلوب من الحكومة السودانية ألا تكتفي بالاحتجاج، بل أن تقدم ملفاً موثقاً إلى مجلس الأمن والجهات الدولية، يتضمن الانتهاكات وخرق القرارات السابقة، وأن تطالب بتطبيق القانون الدولي على الاطراف المؤججة للصراع دولا” او شخصيات او منظمات وعلى الإعلام السوداني، أن يتعامل مع مواقف المبعوثين الدوليين بمهنية، وأن يفككها بالوثائق والأدلة، بعيداً عن الانفعال والاتهامات غير المثبتة. فالمعركة الحقيقية ليست مع الأشخاص، وإنما مع سياسة المعايير المزدوجة التي تجعل قرارات مجلس الأمن قابلة للتجاهل عندما يتعلق الأمر بمليشيات الدعم السريع و ماورائها من دول وعصابات دولية، حماية المدنيين لا تكون بإصدار القرارات وحدها، وإنما بضمان تنفيذها ومحاسبة من ينتهكها.