الفاتح بهلول يكتب.. من جدران الذاكرة إلى معركة الكلمة.. مركز الفضاء العالمي واسترداد عافية الإعلام .
ضُل الغيمة
حين يصبح إنقاذ الصحافة إنقاذاً لذاكرة وطن ( 1 ___ 3 )
من جدران الذاكرة إلى معركة الكلمة.. مركز الفضاء العالمي واسترداد عافية الإعلام .
كتب : الفاتح بهلول
ثمة أماكن لا تُقاس قيمتها بعدد القاعات التي تحتضنها ولا بعدد الفعاليات التي تُقام بين جدرانها إنما تُقاس بما تتركه في الروح من أسئلة و بعض الأمكنة لا تستضيف الذاكرة فحسب بل تمنحها الفرصة كي تتنفس ، هكذا بدا مركز الفضاء العالمي بأمدرمان في تلك الورشة التي بادر إلى تنظيمها و جمع لها أهل الصحافة حول سؤال جوهري يتجاوز المهنة إلى ما هو أبعد منها ماذا يبقى من وطن إذا انطفأت منابره وجف حبره وتوقفت صحفه عن تسجيل يومياته؟
كان المركز جزءاً من الإجابة بل أجزم على أنه كان السؤال نفسه ، فعلى الجدران لم تكن اللوحات مجرد أعمال فنية معلقة في فضاء أنيق بل بدت وكأنها شوهدة على أن السودان الذي عرفناه لم يكن وطناً جغرافياً فحسب وإنما وطن صاغته الأصوات والألحان والكلمات هناك الكاشف و حسن عطية، وسيد خليفة و الجابري وكابلي، ووردي أولئك هم الذين لم يغنوا للسودان بقدر ما ساهموا في تعريف السودانيين بأنفسهم و إلى جوارهم صورة زيتية بلون نوبي للطيب صالح تستدعي إلى الذاكرة ظلال موسم الهجرة إلى الشمال ذلك العمل الذي لم يكن رواية عن السفر وحده وإنما سؤالاً مفتوحاً عن الهوية والهجرة والإنسان حين يقف بين عالمين ، وبين هذه الوجوه التي صنعت جانباً من الذاكرة السودانية جلس الصحفيين يتحدثون عن مستقبل الصحافة كأن الجدران كانت تقول لهم إن ما يفعلونه اليوم ليس أقل أهمية مما فعله أولئك الذين سبقوهم، فالفنان يحفظ روح شعبه بالنغم والروائي يحفظ أسئلته بالكلمة، بينما الصحفي يحفظ يومه من أن يصبح غداً بلا ذاكرة، وهنا تحديداً تكمن قيمة المبادرة التي أطلقها مركز الفضاء العالمي فقد فهم القائمون عليه أن الثقافة ليست ديكوراً يسبق الفعالية أو يتبعها وإنما هي المناخ الذي يجعل الحوار أكثر إنسانية و يجعل النقاش متصلاً بجذوره لذلك لم تكن الورشة مجرد اجتماع مهني لمناقشة أزمة الصحافة ، إنما بدت أقرب إلى استدعاء ذاكرة المهنة وهي تبحث عن مستقبلها .
ولعل أجمل ما في المشهد أن المكان نفسه كان يقدّم تعريفاً آخر لدور المركز فهو لا يكتفي بأن يكون قاعة تستقبل الفعاليات، بل هو فضاءً تلتقي فيه الثقافة بالإعلام والذاكرة بالمستقبل والمبدعون بأهل المهنة وهي وظيفة تكتسب معناها أكثر في مدينة مثل أمدرمان التي عرفت طويلاً بأنها إحدى حواضن الوجدان السوداني ومسرحاً لحكاياته الكبرى .
وللأمانة أكثر ما منح ذلك اللقاء خصوصيته أن الصحافة السودانية لم تكن حاضرة فيه باعتبارها قضية مجردة،إنما حضرت بأجيالها وتجاربها وأصواتها فكانت مشاركة الصحفي الكبير و الناشر المعتق بعبق الورق والحبر محجوب عروة بعد غياب طويل ذات دلالة تتجاوز مجرد الحضور إذ بدا كأن شيئاً من الذاكرة المهنية يعود إلى مقعده وأن تجربة طويلة في الصحافة تستعيد حقها في الحديث في زمن تحتاج فيه المهنة إلى كل ما تراكم لديها من خبرة ، وكان حضور يوسف عبد المنان و عبدالماجد عبدالحميد إضافة أخرى إلى مشهد اتسعت فيه مساحة الرؤى والتجارب بينما أضفت المشاركة الفاعلة لإتحاد للصحفيين السودانيين ممثلاً في الأمين العام الاستاذ صلاح الشيخ ونائب الرئيس الأستاذ محمد الفاتح بُعداً مؤسسياً جعل النقاش يتجاوز حدود الآراء الفردية إلى سؤال التنظيم المهني ومستقبل الصحافة باعتبارها واحدة من مؤسسات المجتمع .
هكذا اجتمعت في المكان أصوات مختلفة لكنها كانت تلتقي عند قلق واحد لصحافة أنهكتها الحرب و أثقلتها الظروف الاقتصادية فبات مستقبلها معلقاً بين تشريعات تحتاج إلى مراجعة ومؤسسات تحتاج إلى إنقاذ، ومهنة تحاول أن تحافظ على استقلالها في أزمنة أكثر اضطراباً ، في تقديري هذا هو أجمل ما في ورشة مركز الفضاء العالمي التي لم تجمع الصحفيين حول طاولة فحسب وإنما وضعتهم في حضرة الذاكرة ثم طلبت منهم أن يتأملوا مستقبل المهنة التي يقع على عاتقها في نهاية الأمر حفظ ذاكرة الوطن ، فالمكان لم يكن خلفية للورشة كان أحد المتحدثين فيها حتى وهو صامت .
،،،،،،، نـواصــــل ،،،،،،،
