المستشار السابق لحكومة البحرين صلاح ال بندر في حوار عن الازمة السودانية
الحوار السوداني: هل يفتح طريق السلام أم يعيد إنتاج الأزمة؟
السودان لا يحتاج إلى حوار ينهي الاختلاف بل إلى دولة تجعل الاختلاف آمناً
الحسم العسكري لا يكتب دستوراً .. والسودان يحتاج إلى عقد عدم العودة
الحوار المطلوب يعيد تأسيس الدولة لا توزيع السلطة
الدوحة : الراية اليوم
في لحظة تتكاثر فيها المبادرات والدعوات إلى حوار سوداني–سوداني، بينما تستمر الحرب وتزداد تعقيدات المشهد الداخلي والإقليمي، يعود سؤال الحوار إلى واجهة السياسة السودانية: هل يكون مدخلاً حقيقياً لإنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة، أم يتحول إلى نسخة أخرى من الحوارات التي أعادت توزيع السلطة من دون معالجة أسباب الأزمة؟
في هذا الحوار مع «الراية اليوم»، يقدم دكتور صلاح آل بندر قراءة تتجاوز ثنائية التأييد والرفض، فهو يرى أن المشكلة ليست في الحوار من حيث المبدأ، بل في وظيفته وهندسته ومن يملكه ومن يضمن تنفيذ نتائجه. ويستعيد تجربة «حوار الوثبة» التي بادر به نظام الإنقاذ، ويقارنها بتجارب جنوب أفريقيا وليبيريا وأيرلندا الشمالية وكينيا وتونس، قبل أن يطرح مفهومين يعتبرهما أساسيين لأي تسوية سودانية مقبلة: «عقد عدم العودة» و«صفقة الخروج من الحرب».
ـ دعنا نبدأ من السؤال المباشر: هل السودان بحاجة فعلاً إلى حوار جديد؟
بالتأكيد يحتاج السودان إلى الحوار، لكنني لا أعتقد أن هذه هي المسألة التي ينبغي أن نختلف حولها. السودانيون تحاوروا كثيراً منذ الاستقلال، وعقدوا مؤتمرات ووقعوا اتفاقيات ومواثيق، ومع ذلك عدنا مراراً إلى الانقلاب والحرب. إذاً السؤال ليس: هل نتحاور؟ بل: أي حوار؟ ومن يديره؟ وبين من؟ وتحت أي شروط؟ وما الذي يتغير في قواعد ممارسة السلطة إذا نجح؟ إذا كان الحوار سيعيد توزيع المقاعد بين القوى نفسها، فنحن أمام إدارة جديدة للأزمة. أما إذا نقلنا من شرعية البندقية والأمر الواقع إلى شرعية المواطن والدستور والمؤسسات، فهنا يبدأ الحوار الذي يستحق اسمه.
ـ هناك من يقول إن المشكلة تبدأ من أن الدعوة الحالية جاءت من الفريق أول عبدالفتاح البرهان. هل ترى ذلك سبباً كافياً لرفضها؟
لا. ولا ينبغي أن نحكم على المبادرة فقط باسم الشخص الذي فتح الباب لها. إذا أعلن رئيس المجلس السيادي الانتقالي البرهان استعداده لحوار، وتوفير ضمانات قانونية وسياسية، وقبول آلية مستقلة، فهذه عناصر ينبغي اختبارها بجدية. لكن الامتحان يبدأ بعد ذلك.
ـ هل ستصبح الآلية مستقلة فعلاً؟ أم أن صاحب الدعوة سيظل هو الذي يحدد المشاركين والأجندة والمكان والمخرجات؟
من يفتح باب الحوار لا ينبغي أن يمتلك البيت كله بعد فتح الباب. المبادرة يمكن أن تبدأ من الفريق البرهان، لكن لكي تتحول إلى عملية وطنية يجب أن تصبح أكبر منه وأكبر من معارضيه أيضاً.
ـ ألا يعيد هذا إلى الذاكرة «حوار الوثبة» الذي دعا إليه الرئيس السابق البشير؟
المقارنة ضرورية. لكن ليس بهدف القول إن التجربتين متطابقتان. حوار الوثبة جاء في يناير 2014 في ظل أزمة سياسية واقتصادية وحروب وانقسامات داخل النظام نفسه. وطُرحت خلاله قضايا مهمة: السلام، والحريات، والحكم، والهوية والاقتصاد. وخرج بمئات التوصيات. لكن المشكلة لم تكن في نقص التوصيات. كانت في من يملك القدرة على تنفيذها. النظام الذي كان مطلوباً إصلاحه ظل هو نفسه صاحب اليد العليا في إدارة الإصلاح. اتسعت دائرة المشاركة، لكن قواعد ممارسة السلطة لم تتغير بالقدر المطلوب.
ـ هل تعتبر الوثبة تجربة فاشلة بالكامل؟
لا أحب استخدام الأحكام المطلقة. الوثبة كشفت شيئاً مهماً: حتى النظام نفسه اضطر إلى الاعتراف بأن هناك أزمة تحتاج إلى إصلاح. لكنها فشلت في تحويل ذلك الاعتراف إلى تحول حقيقي في مركز السلطة. ولهذا أقول إن حوار الوثبة لم يسقط نظام الإنقاذ، لكنه ساهم في إغلاق واحد من آخر أبواب إصلاحه من الداخل. لاحظ المسافة بين 2014 و2018. في البداية كان السؤال: هل يمكن إصلاح النظام؟ وبعد 4 سنوات أصبح الشعار: تسقط بس. عندما تَعِد السلطة بالتغيير ثم تثبت أنها غير قادرة أو غير راغبة في دفع ثمنه، يتحول وعد الإصلاح إلى عامل إضافي في نزع شرعيتها.
ـ هل هناك خطر أن يتكرر الأمر نفسه الآن؟
الخطر أكبر الآن، في 2014، مهما كانت أزمة الدولة، كان هناك مركز سياسي وعسكري واحد تقريباً. اليوم هناك حرب واسعة، وقوات الدعم السريع، وحركات مسلحة، ومناطق نفوذ، واقتصادات حرب، وملايين النازحين واللاجئين، وتدخلات إقليمية ودولية. ولذلك فإن الفشل اليوم لا يعني فقط فشل مشروع إصلاح سياسي. قد يعني تثبيت الانقسام الذي صنعته الحرب. وهنا الفارق الكبير: فشل الوثبة ساهم في إضعاف نظام. أما فشل حوار اليوم فقد يساهم في إضعاف الدولة نفسها.
ـ هناك من يقول: دعوا الجيش يحسم الحرب أولاً ثم نتحاور. أليس ذلك أكثر وضوحاً؟
قد يبدو أكثر وضوحاً عسكرياً، لكنه لا يحل المشكلة السياسية، لنفترض جدلاً أن القوات المسلحة حققت نصراً عسكرياً شاملاً. ماذا يحدث في اليوم التالي؟ من يحكم؟ بأي دستور؟ ما علاقة الجيش بالسياسة؟ ما مصير الحركات المسلحة؟ كيف تعود ملايين الأسر النازحة واللآجئة؟ كيف تتم المصالحة؟ ماذا نفعل بجرائم الحرب؟ كيف نعيد بناء الاقتصاد؟ الحسم العسكري يستطيع تغيير ميزان القوى. لكنه لا يستطيع وحده إعادة تأسيس شرعية الدولة. الحرب لا تكتب دستوراً.
ـ هل توافق على وصف القوات المسلحة والدعم السريع بأنهما مجرد «طرفي حرب» متساويين؟
لا. ينبغي التمييز بين الواقع العسكري والوضع القانوني والسياسي. القوات المسلحة مؤسسة من مؤسسات الدولة. والدعم السريع قوة مسلحة موازية أصبحت طرفاً في الحرب. لكن إذا أردت إنهاء الحرب، فلا تستطيع إنكار وجود الطرف الذي يقاتل على الأرض. ولذلك أقول دائماً: التفاوض مع قوات الدعم السريع ضرورة لإنهاء الحرب، أما إنهاء الوضع المليشياوي فهو شرط لاستدامة السلام. التفاوض لا يعني منح شرعية دائمة. ودونك ما حدث في اتفاق السلام الشامل بين قرنق ونظام الإنقاذ.
ـ هل يعني ذلك أن الدعم السريع يجب أن يُحل؟
إذا كان هدفنا النهائي دولة واحدة ذات سيادة، فلا يمكن أن يكون لدينا جيشان دائمان. النتيجة النهائية يجب أن تكون: جيش قومي مهني واحد. لكن هذا لا يعني التعامل مع عشرات الآلاف من المقاتلين ككتلة واحدة. يجب الفصل بين: القيادة، والمؤسسة، والأفراد. هناك أفراد لم تثبت عليهم جرائم جسيمة، وهؤلاء يحتاجون إلى مسارات تسريح وإعادة دمج وتعليم وتدريب وعمل. وقد يدخل بعضهم بصورة فردية إلى المؤسسات النظامية إذا استوفى المعايير المهنية. أما بقاء مؤسسة عسكرية مستقلة موازية للدولة، فذلك يعني أننا أوقفنا الحرب ولم نبني ركائز السلام.
ـ هل تطبق القاعدة نفسها على الحركات المسلحة الأخرى؟
بلا استثناء. لا يمكن أن نقول «جيش واحد» ونقصد به فقط إنهاء الدعم السريع، بينما تحتفظ الحركات الأخرى بقواتها إلى أجل غير معلوم. من يريد أن يعمل في السياسة ينبغي أن يتحول إلى تنظيم سياسي مدني. أما مطالب دارفور وجنوب كردفان والشرق والنيل الأزرق وغيرها، فيجب أن تصبح حقوقاً دستورية ومؤسسية. لا ينبغي أن يعتمد حق الإقليم على عدد البنادق التي يحملها قائده.
ـ هل توجد تجربة دولية تعتبرها الأقرب لما يحتاجه السودان؟
لا توجد تجربة واحدة، والخطأ أن نقول: نريد «جنوب أفريقيا سودانية» أو «تونس سودانية». دعنا نستفيد من وظيفة معينة في كل تجربة. من جنوب أفريقيا: الاتفاق على قواعد الانتقال قبل الصراع على السلطة. ومن ليبيريا: لا تسوية سياسية من دون حل معضلة السلاح. من أيرلندا الشمالية: السلام لا يعني انتهاء الخلاف، وإنما بناء مؤسسات تمنع الخلاف من العودة إلى العنف. ومن كينيا: ترتيب مراحل الأزمة مثلا أوقف العنف، عالج الإنسان، حل الأزمة السياسية، ثم انتقل إلى جذور المشكلة. ومن تونس: أهمية الوسيط الوطني المستقل. نأخذ هذه الدروس ونبني شيئاً سودانياً.
ـ إذن أنت لا تؤيد فكرة مؤتمر شامل يضع كل القضايا على طاولة واحدة؟
هذه واحدة من أخطر العادات السودانية. نأتي إلى مؤتمر ونضع فوق الطاولة كل الأسئلة التي لم نحلها منذ الاستقلال في 1956، بينما الناس يموتون. أنا أفضل عملية متعددة المسارات. المسار الأول إنساني: حماية المدنيين، الإغاثة، الأسرى، المفقودون، النازحون واللاجئون. والمسار الثاني أمني: وقف إطلاق النار، المراقبة، الترتيبات الأمنية، نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج. والمسار الثالث سياسي انتقالي: كيف ندير الدولة إلى حين الانتخابات؟ والمسار الرابع تأسيسي: الدستور، والفيدرالية، وعلاقة المركز بالأقاليم، والموارد، والهوية، والدين والدولة، والعدالة الانتقالية. هذه المسارات ترتبط ببعضها، لكن لا ينبغي أن يحتجز أحدها الآخر.
ومن يدير هذه العملية؟
أقترح آلية وطنية مستقلة للسلام والتأسيس. ليس حكومة السودان، وليس الجيش، وليس «صمود»، ولا «الكتلة الديمقراطية»، ولا حركة مسلحة. وتكون عضويتها محدودة ومبنية على الكفاءة والمصداقية والتنوع الحقيقي. وضع قاعدة مهمة هنا: لا يجوز أن يكون من يدير العملية مرشحاً لجني ثمارها السياسية. من يجلس حكماً لا ينبغي أن يكون في جيبه قميص أحد الفريقين.
ـ وأين تضع القوات المسلحة في هذا النموذج؟
في مكانها الطبيعي. هي طرف أساسي في المسار الأمني والعسكري. لكنها ليست صاحبة حق حصري في تحديد شكل النظام السياسي. نريد معادلة واضحة: جيش قوي داخل الدولة، لا جيش فوق الدولة. ولا أعتقد أن الديمقراطية تحتاج إلى إضعاف الجيش. على العكس، السودان يحتاج إلى مؤسسة عسكرية قوية ومهنية. لكن قوتها يجب أن تكون في الدفاع عن الوطن، لا في اختيار الحكومات.
ـ وكيف تقنع المؤسسة العسكرية بذلك بعد تجربة السنوات الماضية؟
بالضمانات. لا ينبغي أن تدخل المؤسسة العسكرية التسوية وهي تعتقد أن الهدف النهائي هو تفكيكها أو إذلالها. ينبغي ضمان: مهنيتها، ووحدتها، ومواردها الضرورية، وحقوق أفرادها، وتحديثها. وفي المقابل: تخرج نهائياً من المنافسة السياسية. أسمي ذلك: الضمان المؤسسي للجيش مقابل إنهاء حكم الجيش.
ـ وماذا عن حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية؟
هذه من أكثر القضايا إثارة للخلاف. لذلك يجب أن نخرجها من منطق الحب والكراهية إلى منطق القانون. لا أؤيد الاجتثاث التظيمي الجماعي، ويكفي ما حدث في العراق. ولا أؤيد أن نتصرف كأن 30 عاماً من الإنقاذ لم تقع. قاعدتي هي: لا اجتثاث فكرياً، ولا حصانة سياسية. إذا كان الإسلامي يقبل بالدستور والتداول السلمي ولا يمتلك تنظيماً مسلحاً، فمن حقه أن يخوض السياسة. وإذا ارتكب أي شخص جريمة، يخضع للقضاء. المسؤولية الجنائية فردية. ولا توجد ديمقراطية مستقرة تبنى على تحميل مئات الآلاف من الناس مسؤولية جماعية بسبب هويتهم السياسية.
ـ لكن ألا يمكن أن يتحول هذا إلى مدخل لعودة النظام السابق؟
هنا تظهر أهمية قواعد المنافسة. السؤال ليس فقط من يدخل الانتخابات. بل: هل التمويل شفاف؟ هل أجهزة الدولة محايدة؟ هل هناك قضاء مستقل؟ هل توجد تنظيمات مسلحة؟ هل يستطيع الإعلام العمل بحرية؟ إذا كانت القواعد متساوية، فليقرر المواطن. المشكلة ليست في أن يفوز من لا يعجبني. الديمقراطية تبدأ عندما أقبل باحتمال أن يفوز خصمي.
ـ وهل تقول الأمر نفسه للقوى المدنية؟
بالتأكيد. القوى المدنية أيضاً يجب أن تقبل بأن الشرعية الثورية لا تستمر إلى الأبد. انتفاضة ديسمبر 2018 منحت لحظتها شرعية تاريخية وأخلاقية كبيرة. لكن الشرعية السياسية الدائمة لا تأتي من الانتفاضة وحدها. تأتي من المواطن. إذا أجريت انتخابات حرة ونزيهة وخسرت القوى التي قادت الانتفاضة، فعليها أن تصبح معارضة. هذه هي الديمقراطية.
ـ يبدو أن لديك معياراً قاسياً لكل الأطراف؟
ينبغي أن يكون المعيار قاسياً على الجميع ومتساوياً. السؤال الذي أوجهه إلى كل الأطراف هو: هل تقبل بقواعد يمكن أن تنتج نتيجة لا تعجبك؟ هذه هي الديمقراطية في أبسط تعريفاتها.
ـ ما المقصود بـ«الحد الأدنى الوطني» الذي تقترحه قبل الحوار؟
أقصد أن هناك أموراً لا ينبغي أن نعيد التفاوض عليها كل 5 سنوات، السودان واحد، المواطنة متساوية، والشعب هو مصدر الشرعية، لا انقلاب، لا مليشيات، لا حزب مسلح، جيش واحد. استقلال القضاء، التداول السلمي، لا إفلات من العقاب. ولا إقصاء سياسي جماعي، هذه ليست برنامج حكومة، إنها شروط وجود اللعبة السياسية نفسها، بعدها يمكن أن نختلف في كل شيء تقريباً.
ـ حتى علاقة الدين بالدولة؟
نعم. يمكن أن نختلف حولها سياسياً ودستورياً ما دمنا اتفقنا أولاً على المواطنة المتساوية والحقوق الأساسية. المشكلة ليست في وجود الخلاف. المشكلة في أن يعتبر أي طرف رؤيته مبرراً لحرمان الآخر من حقوقه أو حمل السلاح ضده.
ـ إذاً أنت لا تبحث عن «مشروع وطني جامع»؟
إذا كان المقصود مشروعاً أيديولوجياً واحداً، فلا. وأعتقد أن البحث عنه أرهقنا كثيراً. السودان ليس بحاجة إلى أن يفكر الجميع بالطريقة نفسها. هو بحاجة إلى دولة تحتمل أنهم لا يفكرون بالطريقة نفسها. وهذه عندي مسألة جوهرية.
ـ الحرب الآن أيضاً تجارة ومصالح. هل يستطيع الحوار السياسي وحده تفكيك ذلك؟
لا. وهذا أحد أخطر أبعاد الأزمة، بعد سنوات الحرب أصبح هناك اقتصاد كامل: ذهب، تهريب، سلاح، جبايات، نقل، أراضٍ، شبكات مالية، ومصالح إقليمية. وبالتالي توجد جهات قد تستفيد مادياً من استمرار الحرب. ولهذا يجب ألا تكون عملية السلام مجرد دعوة أخلاقية. ينبغي أن تغير معادلة الحوافز.
ـ كيف؟
يجب أن تصبح تكلفة الحرب أعلى من تكلفة السلام. وهنا أستخدم تعبير: صفقة الخروج من الحرب. أي أن نوفر لكل طرف مستقبلاً مشروعاً داخل الدولة مقابل تخليه عن أدوات القوة خارجها. للجيش: المهنية والاحترام، مقابل عدم الحكم. للمقاتل: طريق إلى التعليم والعمل، مقابل البندقية. للحركات والمليشيات: حقوق دستورية لقضيتها، مقابل الجيش الحزبي. للقوى السياسية: مجال حر، مقابل الاحتكام إلى الانتخابات. وللدول الإقليمية: سودان مستقر، مقابل وقف تمويل الحرب.
ـ وماذا عن من يخرق الاتفاق؟
هذه من أكبر نقاط ضعف الاتفاقات السودانية. نوقع ثم لا نحدد ماذا يحدث إذا لم ينفذ أحد. ينبغي أن تكون هناك آلية واضحة: توثيق الخرق. تسمية الطرف المسؤول، إجراءات سياسية، عقوبات فردية، تجميد أصول، حظر سفر، ملاحقة شبكات التمويل. لكن العقوبات يجب أن تستهدف صانع الحرب، لا المواطن. لا تعاقب السودان لكي تعاقب قائداً سودانياً.
ـ ما الدور المطلوب من دول الرباعية (مصر والسعودية والإمارات وأمريكا)؟
الدور الخارجي واقع لا يمكن إنكاره، لكن ينبغي تحديده وظيفياً. أقترح هذه المعادلة: الملكية سودانية، المظلة أفريقية، الضمان دولي، والتنفيذ وطني، ودول الإقليم تستطيع أن توقف تدفقات السلاح والتمويل. الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي يمكنهما المساعدة في وقف النار والضمانات والتنسيق. والمانحون يستطيعون تمويل التعافي. لكن من يحدد الحكومة والدستور ينبغي أن يكون السودانيون.
ـ هل الحوار يجب أن ينعقد داخل السودان؟
أفضل ألا نحول المكان إلى قضية مبدئية، ليس كل ما يحدث داخل السودان وطنياً. وليس كل ما يحدث خارجه أجنبياً، إذا لم يستطع معارض أن يدخل ويخرج بحرية، فما قيمة المكان؟ إذا لم يتمكن اللاجئ من المشاركة، فما معنى الشمول؟ يمكن أن تكون هناك عملية متعددة المواقع وموحدة المرجعية. المعيار ليس عنوان الفندق. المعيار: من يملك القرار؟
ـ ما الدور الذي تراه للإدارة الأهلية والطرق الصوفية؟
دور مهم جداً إذا أخرجناه من الاستخدام السياسي الزخرفي، وهناك قضايا لا تحلها الأحزاب في الخرطوم: الحواكير، الأرض، مسارات الرعي، الثأر، عودة النازحين، العلاقات بين المجتمعات. السلام ليس فقط اتفاقاً بين الجنرالات. يجب أن تكون هناك مصالحات على مستوى المجتمع.
ـ والشباب والنساء؟
لا أريد أن نضع لهم «كوتة» ثم نقول إنهم شاركوا. هذا تبسيط. السؤال: هل قضاياهم دخلت صلب تصميم الدولة؟ هل المرأة التي تحملت النزوح والعنف والرعاية والاقتصاد المنهار تستطيع التأثير في قرارات السلام والعدالة؟ هل الشاب الذي دفع ثمن الثورة والحرب يجد طريقاً إلى الاقتصاد والسياسة؟ التمثيل الحقيقي ليس في عدد المقاعد فقط.
ـ استخدمت عبارة «عقد عدم العودة». لماذا تراها مهمة؟
لأننا كثيراً ما نتحدث عما نريد بناءه، ولا نتفق بوضوح على ما نرفض العودة إليه، لذلك أقترح أن يتعهد السودانيون: لا عودة للانقلاب، لا عودة للمليشيات، لا عودة للجيوش الحزبية، لا عودة للحرب وسيلةً للوصول إلى السلطة، لا عودة للإفلات من العقاب، لا عودة لفترات انتقالية بلا نهاية. هذا هو عقد عدم العودة.
ـ وهل تعتقد أن السودانيين قادرون على الاتفاق على ذلك؟
إذا لم يستطيعوا، فالمشكلة أكبر من الحرب الحالية، لأن هذه ليست قضايا يمين ويسار.،هذه شروط وجود الدولة، أما بعد ذلك فليختلفوا كما يشاؤون. بل أريدهم أن يختلفوا، الديمقراطية ليست إنهاء الخلاف، إنها تمدين الخلاف.
ـ ماذا تقصد بـ«تمدين الخلاف»؟
أن ننقل النزاع: من المعسكر إلى البرلمان. من البندقية إلى صندوق الاقتراع. من الانقلاب إلى المعارضة. من التخوين إلى القانون. ومن الحرب على الدولة إلى التنافس داخلها. هذه، في رأيي، هي المهمة التاريخية للحوار.
ـ إذا كان عليك أن تلخص كل رؤيتك في عبارة واحدة؟
السودان لا يحتاج إلى حوار ينهي الاختلاف، بل إلى دولة تجعل الاختلاف آمناً.
ـ وما هو السؤال الذي يجب أن يجيب عنه كل من الفريق البرهان ورئيس الوزراء السابق حمدوك وقادة الحركات والإسلاميين والقوى المدنية؟
سؤال واحد: هل تقبلون بنتيجة سياسية لا تعجبكم إذا جاءت عبر قواعد عادلة؟ إذا كانت الإجابة نعم، يمكن أن تبدأ الديمقراطية. إذا كانت لا، فنحن لا نزال داخل منطق الصراع على السيطرة.
أخيراً: أين ترى فرصة السودان وسط هذا الخراب كله؟
الفرصة ليست في الخراب نفسه، ولا ينبغي تجميل الحرب. لقد كانت كارثة إنسانية ووطنية لا يمكن تبريرها. لكن أمام السودانيين الآن خيار: إما أن نتعامل معها كحلقة أخرى في تاريخ الصراع، فنوقف إطلاق النار ونؤجل الحرب التالية. أو نستخلص منها الدرس الأكثر قسوة: أن الدولة التي تسمح بالسلاح خارج مؤسساتها، والانقلاب خارج دستورها، والموارد خارج موازنتها، لا تستطيع أن تحمي نفسها طويلاً. إذا خرجنا من هذه الحرب باتفاق على أن: من يخسر الانتخابات لا ينقلب، ومن يحمل السلاح لا يحصل على امتياز سياسي، ومن يحكم يخضع للقانون، ومن يرتكب جريمة يحاسب. وأن المواطن هو المرجع الأخير للسلطة، فسنكون قد حققنا شيئاً أكبر من وقف الحرب. سنكون قد بدأنا إعادة تأسيس الدولة. والسلام الحقيقي يبدأ عندما لا يحتاج أي سوداني إلى حمل السلاح لكي يسمع الآخرون صوته. هناك تبدأ الدولة. وهناك يبدأ عقد عدم العودة.
