عارف حمدان يكتب.. احمد المصطفى “قيثارة الزمن الجميل

عارف حمدان يكتب.. احمد المصطفى  “قيثارة الزمن الجميل

عميد الغناء السوداني..
أحمد المصطفى..
….الكنار المغرد…
​(أمير من أمراء هذا الزمان)

استاذنا: الطيب صالح
​ما أجمل الوصف الذي أصبغه الأخ العزيز صلاح أحمد محمد صالح على أحمد المصطفى حين سماه “قيثارة الزمن الجميل”.
كان الزمان جميلاً بالفعل مثل موسيقى أثيرية سابحة كخيوط الحرير في سموات السودان.
ألم تكن وجوه الناس في الأربعينيات والخمسينيات إلى غاية الستينيات – حتى الوجوه المكدودة المتعبة – عذبة مثل موسيقى هادئة عميقة الغور؟
ألم تكن عمائم الرجال وجلابيبهم، حتى الرثة منها؟
وثياب النساء، حتى الفقيرة منها وعطورهن السودانية المميزة وأصواتهن الطيبة المستحبة؟ بل كانت أنغاماً موسيقية متداخلة، وكذلك كانت جلبة الناس في أسواقهم وضوضاء تلاميذ المدارس، وسكون بنات المدارس، وطوابير الأفندية وهم يهرعون إلى مكاتبهم وهم يخرجون متعبين مكدودين في نهاية اليوم.
​ألم تكن قعقعة عجلات القطارات وهي تجوب أرض السودان طولاً وعرضاً؟ وأضواء سفن النيل ليلاً، وانعكاسات الضوء على سبائط التمر أول احمرار التمر وعلى حقول القمح إبان حصاد القمح؟
ألم تكن الأنهار في انخفاضها وارتفاعها وهدوئها وعربدتها؟
وقطعان الإبل؟
وقطعان الضأن؟
وقطعان البقر؟
ألم يكن شجر التبلدي وشجر المنقة وشجر الطلح وشجر الأراك؟
كان الأقوياء من تواضعهم مثل الضعفاء لشدة إحساسهم بالكرامة مثل الأقوياء.
وأم درمان مثل عروس مجلوة، والخرطوم بحري، ومدني، والأبيض، وجوبا، وبورتسودان، وكسلا، وبربر، ومروي كأنهن وصائف عروس.
ألم يكن السودان كله في ذلك الزمان الرغد ضيق ذات اليد مثال ينابيع من ألحان فرحة حزينة تتفجر من الأرض وتنزل من السماء؟
​بل وكان من حسن حظ السودان أن الله أنعم عليه بعدد من أبنائه، رجالاً ونساءً عظيمي الموهبة، استقبلوا تلك المعاني السابحة وقطروها كما يقطر العطر في أغاني وألحان.
وكان أحمد المصطفى في طليعة أولئك النفر، وأصبح لأسباب كثيرة حادي الركب وقيثارة الزمن الجميل.
نما أحمد المصطفى مع نمو السودان، واتسع فنه مع اتساع آمال السودان.
تحول من صبي من ريف العيلفون إلى خلاصة حضارة أم درمان التي كانت خلاصة حضارة السودان؛ لا شرقية ولا غربية ولا جنوبية ولا شمالية، ولا نوبية ولا زنجية ولا عربية. هي مجموع ذلك كله.
لذلك فليس من المبالغة القول بأن أحمد المصطفى كان في المقدمة بين الناس الذين أعطوا السودان هويته، من كتاب وشعراء ومفكرين ومنشدين ومغنيين.
كان في سمته الجسمانية وأسلوبه في الحديث وسلوكه الذي كان – كما نعلم – مضرب المثل، أحسن مثال لتلك الهوية السودانية ذات العناصر المتعددة.
لا أذكر متى التقيت به أول مرة، ولكنني كنت دائماً من عشاق فنه.
وحين تعرفت عليه عن قرب في لندن عام سبعة وخمسين، فرحت فرحاً عظيماً كأنني صرت من خلصاء أمير من أمراء الزمان، وقد كان أحمد المصطفى بالفعل أميراً من أمراء الزمان.
​كنت في تلك الأيام أقاسم صلاح أحمد محمد صالح السكن في لندن، وجاءنا أحمد المصطفى موفداً من حكومة السودان. كانت حكومة السودان تضع تلك الأيام خططاً للترفيه عن المبعوثين الكثيرين وربطهم بالسودان وتخفيف آلام الاغتراب عنهم. رفض صلاح أن يسكن أحمد المصطفى في (فندق) وأصر أن يسكن معنا في (تيرلوبوليس)، وكانت تلك من أيادي صلاح الكثيرة علي أن وثق صلتي مع هذا الإنسان البديع.
كان بين صلاح أحمد وأحمد المصطفى ود قديم وذكريات مشتركة تعود إلى أيام صباهما في أم درمان وسنوات تألق نجم صلاح في الإذاعة.
كان صلاح يومئذ متوهج الموهبة الإذاعية والشعرية، خفاق الفؤاد بنوازع الهوى، وقد صنع من ذلك كله شعراً جميلاً حوله أحمد المصطفى إلى فن غنائي خالد.
أقام أحمد المصطفى معنا نحواً من شهر وربما أكثر، وكانت زيارته حدثاً لا أظن أحداً من الذين حضروه يمكن أن ينساه.
في تلك الأيام كتب له صلاح كلمات الأغنية الشهيرة المفعمة بالحنين والشجن:
“نحن في السودان نهوى أوطانا.. وإن رحلنا بعيد نطرى خلانا”.
أصبحنا صديقين منذ تلك الأيام.
ومن جميل طبيعة أحمد المصطفى أن عاصفة الحب التي كانت تمتلئ بها نفسه كانت تفيض على من حوله، فيصبح محبوه أصدقاء بعضهم البعض.
​التقينا به كثيراً بعد ذلك في لندن وفي أم درمان، وفي الخرطوم، وفي الدوحة، وفي باريس.
كان كريماً جداً معي، لم يزل يحييني ويشيد بذكري في أحاديثه الصحفية والإذاعية والتلفزيونية، وكنت بدوري أكثر من تحيته والإشادة بذكره، وقد كان – رحمه الله – أكثر مني استحقاقاً للحب والتقدير.
أذكره في باريس عام ثلاثة وثمانين أو نحوه، يغني باسم السودان في قاعة اليونسكو الكبرى.
كان أحمد المصطفى يتألق في مثل تلك المناسبات بوجهه الوسيم وابتسامته الوضيئة ودقة عوده المميزة.
في تلك الليلة طرب العرب، والأفارقة، والأوروبيون، والأمريكيون، واللاتينيون.
فقد نفذت إلى أفئدتهم تلك المعاني السودانية المرهفة التي بلورها أحمد المصطفى في صوته البديع.
أذكره في دار أخي فتح الرحمن البشير في الخرطوم. لا أزور السودان إلا ويكون هو مسك الختام في دار ذلك الإنسان النبيل، محاطاً بمحبيه وعشاق فنه.
تلك الأماسي كانت أكثر شيء يجعلني أحس بأن السودان لا يزال بخير، وأن السودان الذي مثله أحمد المصطفى لا يزال كحاله لم يتغير.
​أذكره في مستشفى (تشيرنق كروس) في لندن بعيد انتفاضة رجب – المباركة – وقد كدّر مرض أحمد المصطفى على كثيرين الفرحة بذلك الحدث العظيم.
كان أحمد المصطفى راقداً على سرير المرض يتحشرج حشرجات الموت، وقد ظننا كلنا أنه لن يقوم من رقدته تلك.
في غرفة الاستقبال المجاورة كان يجلس صديق عمره المرحوم سعد أبو العلا في جمع من محبي أحمد المصطفى.
كان أكثر حزناً… أنه يفقد رفيق صباه وشبابه وكهولته.
ويا سبحان الله! قام أحمد المصطفى من رقدته ولم يلبث أن مضى سعد أبو العلا إلى لقاء ربه.
تعافى أحمد المصطفى لكنه لم يستعد ذاكرته، وقد زرته تلك الأيام مع أخي فتح الرحمن البشير.
كان هو.. هو، ولكنه لم يتعرف علينا.
ونحن معه، جاء وفد من السيد الصادق المهدي، رئيس الوزراء، ليبلغه تحيات السيد الصادق المهدي وتمنياته له بالشفاء. ولشدة دهشتنا، رد عليهم أحمد المصطفى رداً واضحاً بأسلوبه الدمث المهذب وحملهم تمنياته للسيد الصادق المهدي بالنجاح وأن يضاعف جهوده في خدمة السودان ويكون حريصاً على مصالحه.
​عاش رحمه الله بعد رحيل صديق عمره سعد أبو العلا زهاء الخمسة عشر عاماً، ولعله لم يدرك وهو في تلك الغيبوبة أن صديقه قد رحل، إذ كانت من نعم الله عليه.
صمت حين بدا أن السودان ليس هو السودان الذي لهج بذكره وغنى بأفراحه وآماله وطموحاته وعثراته وانتصاراته، وكأنه صار سوداناً آخر.
إنما السودان الذي صاغه أولئك النفر الأفذاذ، وفي مقدمتهم أحمد المصطفى، بحناجرهم وأعوادهم وكلماتهم وريشاتهم، ربما يستعيد حقيقته المستورة إن عاجلاً أو آجلاً… ولن يطول الانتظار.