د. طارق عبدالله يكتب.. الحوار السوداني السوداني.. الطريق إلى مشاركة الشعب في صناعة الحل
المحجة البيضاء
د. طارق عبدالله
الحوار السوداني السوداني.. الطريق إلى مشاركة الشعب في صناعة الحل
يمر السودان بمرحلة تاريخية بالغة التعقيد، تتطلب تجاوز الحسابات الضيقة والنظر إلى الأزمة باعتبارها قضية وطن ودولة وشعب. وفي ظل استمرار الحرب وتداعياتها السياسية والإنسانية والاقتصادية، يبرز الحوار السوداني السوداني باعتباره الطريق الأهم، بل المسار الذي يتيح للشعب السوداني بمختلف مكوناته وقواه الاجتماعية والسياسية والمدنية والعسكرية المشاركة بصورة حقيقية في صناعة الحل وتحديد مستقبل البلاد. والحوار لا يعني إلغاء المعركة العسكرية أو التقليل من شأنها، وإنما يمكن أن يمثل مساراً موازياً للعمليات العسكرية في معركة الكرامة، بحيث تعمل القوة العسكرية على حماية الدولة ومؤسساتها، بينما يعمل الحوار على بناء التوافق الوطني وتهيئة الطريق لسلام مستدام. ومن هذا المنطلق، فإن الغالبية العظمى من أبناء الشعب السوداني ينبغي أن تكون مع فكرة الحوار، ليس انحيازاً لطرف أو جهة، وإنما إدراكاً لأهميته باعتباره مساراً سياسياً وطنياً يتيح للسودانيين مناقشة قضاياهم بأنفسهم، والبحث عن حلول تنقذ البلاد وتحفظ وحدتها وسيادتها واستقرارها. نحن نتفهم أن ترفض بعض الأجسام، مثل «صمود» و«تأسيس»، فكرة الحوار أو تتحفظ عليها، فهذه مواقف سياسية يمكن مناقشتها، كما أن بعض هذه الأجسام قد لا تكون مخيرة بصورة كاملة في مواقفها، وإنما تتأثر بتوجيهات ومصالح القوى التي تقف خلفها. لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأكبر، وهي أن الحوار شأن سوداني عام، وأن مصلحة الغالبية من أبناء الشعب تقتضي دعمه وتوسيع المشاركة فيه.
الخطوة الأولى الصحيحة تتمثل في تكوين اللجنة المكلفة بتهيئة المناخ للحوار، وهي لجنة من التكنوقراط وأصحاب الكفاءة والخبرة، بعيدة عن المحاصصات والانتماءات الحزبية والمصالح الشخصية. ولا أرى أن هناك مبرراً للاعتراض على اللجنة أو تحميلها مسؤولية ما ليس من اختصاصها، خصوصاً أنها نجحت في توصيف مهمتها بصورة واضحة؛ فهي ليست لجنة للحوار نفسه، ولا علاقة لها بصياغة القضايا أو فرض أجندة أو تحديد مخرجات الحوار، وإنما ينحصر دورها في تهيئة البيئة والظروف الملائمة التي تمكن السودانيين من الجلوس إلى بعضهم البعض، وتهيئة المناخ المناسب لانطلاق حوار جاد وواسع وشامل. ونجاح اللجنة يرتبط قبل كل شيء بقدرتها على إدارة عملية تمهيدية محايدة وشفافة، تضع مصلحة السودان فوق أي اعتبار آخر، وتعمل على إزالة العقبات التي يمكن أن تحول دون مشاركة أوسع قطاعات المجتمع. ومن الطبيعي أن تواجه اللجنة عقبات واعتراضات، خاصة من بعض المستفيدين من استمرار الحرب، أو من بعض السياسيين الذين يرون أنفسهم الأحق أو المخولين حصرياً بإدارة هذا الملف. وقد تظهر انتقادات من هذا الاتجاه، إلى جانب أصوات من بعض الزملاء في الوسط الإعلامي والسياسي الذين قد ينظرون إلى الحوار باعتباره فرصة لتحقيق مغانم أو مكاسب شخصية. غير أن مثل هذه المواقف يجب ألا تصرف الأنظار عن جوهر القضية، فالمطلوب هو حماية فكرة الحوار من التسييس الضيق، وعدم تحويلها إلى ساحة جديدة للصراع حول المواقع والنفوذ.
القضية أكبر من الأشخاص والمواقع والمكاسب. الحوار السوداني السوداني مشروع وطني ينبغي أن يُدعم لأنه يخص السودان كله، لا لأنه يمنح هذا الطرف أو ذاك موقعاً أو نفوذاً. والمطلوب اليوم هو أن نمنح هذا المسار فرصة حقيقية، وأن نتعامل معه باعتباره ملكاً للشعب السوداني وليس امتيازاً لقوى سياسية أو مجموعات بعينها. فالحرب مهما كانت ضرورية في مواجهة التحديات وحماية الدولة، لا تستطيع وحدها أن تنتج توافقاً سياسياً واجتماعياً شاملاً، كما أن الحوار لا يمكن أن ينجح إذا ظل منفصلاً عن الواقع الذي فرضته الحرب وتداعياتها. لذلك فإن المسارين العسكري والسياسي يمكن أن يتكاملا؛ حماية الدولة ومؤسساتها من جهة، وفتح الطريق أمام التوافق الوطني من جهة أخرى. إن نجاح الحوار يتطلب أن نضع الوطن أولاً، وأن ندعم كل خطوة تقرب السودانيين من التوافق، وأن نؤمن بأن الحل الحقيقي للأزمة يجب أن يصنعه السودانيون أنفسهم، بإرادتهم الحرة، وبمسؤولية تاريخية تضع مصلحة الدولة والشعب فوق المصالح الخاصة. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بقدر ما يحتاج إلى شجاعة سياسية تفتح الباب أمام الجميع للجلوس والتفاكر حول مستقبل وطن واحد، والدخول من المحجة البيضاء إلى طريق السلام والاستقرار وبناء الدولة.
