*الخبير الاستراتيجي احمد عز الدين: الحوار السوداني–السوداني خيار ضروري لإيقاف نزيف الدولة ومنع تفككها*

*الخبير الاستراتيجي احمد عز الدين: الحوار السوداني–السوداني خيار ضروري لإيقاف نزيف الدولة ومنع تفككها*

 

نجاح الحوار يتطلب سيادة سودانية وشمولاً حقيقياً وآليات ملزمة لتنفيذ مخرجاته

أحمد عز الدين: ضعف الوعي يحوّل المجتمع إلى بيئة خصبة للشائعات والاستقطاب

الحوار لا يكفي وحده.. ولا بد من مسارات أمنية واقتصادية وعدلية موازية

الخرطوم : الراية اليوم

في ظل تعقيدات المشهد السوداني وتداخل الأبعاد السياسية والأمنية والمجتمعية للحرب، يعود الحديث عن الحوار السوداني–السوداني باعتباره مساراً وطنياً يبحث في جذور الأزمة، ويطرح أسئلة المستقبل، وكيفية الانتقال من حالة الصراع إلى بناء دولة تستند إلى المؤسسات وسيادة القانون وتماسك المجتمع.
في هذا الحوار، نستضيف الأستاذ أحمد عز الدين نوري بخيت، المحلل السياسي والاستراتيجي والباحث في قضايا الدولة والأمن الإقليمي، الحاصل على ماجستير وبكالوريوس العلوم السياسية من جامعة أفريقيا العالمية، وصاحب خبرة في العمل الحكومي والمجتمعي والنقابي والسياسي، إلى جانب مشاركاته في برامج وورش متخصصة في السياسات العامة والتخطيط الاستراتيجي وإصلاح مؤسسات الدولة وبناء القيادات والسلام والمصالحات.
وينطلق نوري بخيت في قراءته من اهتمام خاص بقضايا بناء الدولة وربط الاستقرار الأمني بالتحول التنموي، فضلاً عن متابعته للسياق الإقليمي للقرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر. كما ارتبط نشاطه المجتمعي ببرامج بناء القدرات وتنمية المجتمعات المحلية ورتق النسيج الاجتماعي، خاصة في ولاية غرب كردفان، إلى جانب إسهاماته الإعلامية والتحليلية في قضايا إصلاح الدولة والتعليم والعدالة الاجتماعية.
ومن خلال تجربته في إعداد الرؤى والتقديرات وتصميم وتقييم البرامج والسياسات، ومبادرته «المشروع الاستراتيجي للبناء الوطني» الهادفة إلى إعداد وتأهيل الكوادر، يقدم في هذا الحوار رؤية حول موقع الحوار السوداني–السوداني في مسار بناء الدولة، وشروط نجاحه، والتحديات التي تواجهه، وكيف يمكن أن يتحول من مجرد لقاء سياسي إلى عملية وطنية تتعامل مع جذور الأزمة، وتعزز التماسك الاجتماعي، وتفتح الطريق أمام دولة المؤسسات والتنمية والاستقرار.
إلى مضابط الحوار

**كيف تنظرون إلى دور فكرة المشروع الاستراتيجي للبناء الوطني للقيادات النوعية في رفع الوعي وسط المجتمعات، وما الذي يمكن أن يقدمه في هذه المرحلة التي يمر بها السودان* ؟

يُعدّ المشروع الاستراتيجي للبناء الوطني للقيادات النوعية بمثابة حجر الزاوية في عملية إعادة ترميم النسيج الاجتماعي والتنفيذي، وإن دوره يتجاوز التثقيف التقليدي إلى عملية صناعة الفاعل الاجتماعي والإداري المؤهل، إذ يعمل على تزويد القيادات المحلية والمجتمعية بمهارات التفكير الاستراتيجي وإدارة الأزمات، وتحويل الوعي الفردي إلى كتلة حيوية تقود المجتمعات المحلية.
وفي المرحلة الحالية الحرجة التي يمر بها السودان، يقدم هذا المشروع منصة أمان فكري وتنموي تمنع انهيار المجتمعات تحت ضغط الحرب، وتصنع بدائل قيادية قادرة على ملء الفراغ القيادي في المجتمعات، وإدارة الموارد وتحقيق الاستقرار المجتمعي في ظل غياب أو ضعف قيادات المجتمعات خلال أزمة الحرب.

*ما أبرز القضايا التي ترون أن القيادات المجتمعية النوعية ينبغي أن تركز عليها في برامج التوعية المجتمعية؟

يجب أن تركز القيادات النوعية على الأمن القومي والسلامة المجتمعية وحماية المقدرات الوطنية والمحلية، والتصدي للتحريض والإشاعات، والترميم الاجتماعي والمصالحة، وتفكيك خطاب العنف المتوارث، وتأكيد الهوية الوطنية الجامعة، وتجاوز الاستقطاب القبلي، وإدارة التنمية المحلية وإدارة الموارد المتاحة بكفاءة.
كما ينبغي تفعيل تكافل المجتمع المحلي لاستمرار الحياة الإنسانية والخدمية، وبناء الوعي السياسي الناقد، وتبصير المواطن بحقوقه وواجباته وبأبعاد الأزمة الوطنية لمنع استغلاله كوقود للنزاعات السياسية أو المسلحة.

هل المشكلة الأساسية في المجتمع السوداني اليوم هي نقص المعلومات، أم ضعف الوعي، أم غياب المؤسسات القادرة على تحويل الوعي إلى سلوك وممارسة* ؟

المشكلة ليست في نقص المعلومات، فالصورة والمعلومة متوفرتان بغزارة في عصر السماوات المفتوحة، والتحدي الحقيقي يكمن في غياب المؤسسات التوجيهية والتنفيذية القادرة على تحويل الوعي إلى سلوك وممارسة.
الوعي الشفهي والنظري موجود لدى قطاعات واسعة، لكنه يظل عاجزاً ومشتتاً ما لم تؤطره كيانات وسيطة، مثل الأحزاب الناضجة، ومنظمات المجتمع المدني القوية، والإدارات الأهلية الحديثة، ومراكز التدريب الاستراتيجي، التي تترجم هذا الوعي إلى نظام عمل وانضباط مدني وممارسة يومية تحمي الدولة والمجتمع.

ما أبرز الإشكاليات التي تواجه المجتمع السوداني حالياً من منظور استراتيجي؟
تتلخص أبرز الإشكاليات الاستراتيجية في ضعف مشروع البناء الوطني، وأزمة الهوية الشاملة، وتفضيل الولاءات الضيقة، القبلية والجهوية، على الولاء الوطني الجامع.
كما أن هشاشة وتفكك المكونات المجتمعية يعنيان غياب أو ضعف المشاركة في الخدمة العامة الطوعية والولاء الوطني، وتراجع قدرتها على تقديم الحماية والخدمات، إلى جانب السيولة الأمنية وانتشار السلاح وتحول السلاح إلى أداة للحوار الاجتماعي وحسم النزاعات بدلاً من حكم القانون.
ويضاف إلى ذلك الضعف الاقتصادي والتفقير، مما يهدد الأمن الغذائي ويجعل المجتمع عرضة للاستقطاب والارتهان للخارج.

كيف ينعكس ضعف الوعي على استقرار المجتمع وتماسكه، خصوصاً في ظل الحرب والاستقطاب الحاد؟

ينعكس ضعف الوعي بصورة كارثية، حيث يتحول المجتمع من مجتمع منتج ومتضامن إلى بيئة خصبة للشائعات والاستغلال السياسي والاستقطاب للمليشيا المتمردة.
ويتغذى الاستقطاب الحاد على الفراغ الفكري، مما يجعل المواطن يرى الآخر تهديداً وجودياً بدلاً من كونه شريكاً في الوطن. وهذا التردي يمزق النسيج الاجتماعي، ويحيل الصراعات السياسية إلى مواجهات، ويكسر آليات التضامن التقليدية التي كانت تعصم البلاد من الانهيار الكلي، مثل ظهور كيانات قبلية فاعلة تحل محل الكيانات الحزبية.

**ما العلاقة بين الوعي المجتمعي وبين انتشار خطاب الكراهية والشائعات والمعلومات المضللة* ؟

العلاقة عكسية تماماً؛ فالوعي المجتمعي يمثل النسق المناعي للدولة. وكلما انخفض مستوى التفكير الناقد والوعي الاستراتيجي، ارتفعت قابلية المجتمع لاستهلاك الشائعات وتصديق المعلومات المضللة وتغريدات الحرب النفسية.
وخطاب الكراهية يعتمد على تفكيك المشاعر واستغلال الخوف والمظالم التاريخية، بينما يعمل الوعي على التحقق وتغليب العقل والتحليل المسببي للمشكلات، مما يحرم صناع الفتنة والشائعات من بيئتهم الخصبة.

**هل يمكن لمجتمع يفتقر إلى الوعي الكافي أن يشارك بصورة فاعلة في صناعة مستقبله السياسي والاجتماعي* ؟

لا يمكن مطلقاً، فالمجتمع الذي يفتقر إلى الوعي الكافي يتحول إلى مفعول به وليس فاعلاً.
وقد يشارك في الاستحقاقات السياسية مثل الانتخابات أو الاحتجاجات، لكن مشاركته تكون شكلية وموجهة بالتعاطف العاطفي أو القبلي أو الأيديولوجي، مما يعيد إنتاج ذات الأزمات والنخب الفاسدة.
والمشاركة الفاعلة والتنموية تتطلب وعياً بالحقوق والواجبات وبمفاهيم الدولة الحديثة، حتى يستطيع المجتمع ممارسة الرقابة واختيار قياداته وصيانة مكتسباته.

**يُطرح اليوم الحوار السوداني السوداني كمسار لمعالجة الأزمة الوطنية، كيف تنظرون إليه من وجهة نظر استراتيجية؟*

ننظر إلى الحوار السوداني–السوداني من منظور استراتيجي باعتباره الخيار الوجودي الضروري لإيقاف نزيف الدولة ومنع تفككها الإقليمي والاجتماعي.
والحوار ليس مجرد ترف سياسي أو ملاذ مؤقت، بل هو المظلة الوطنية الشاملة لإعادة تعريف العقد الاجتماعي السوداني وبناء التوافق الأدنى على أسس إدارة الدولة، وتحديد الهوية الوطنية، وآليات تداول السلطة سلمياً بعيداً عن منطق المغالبة أو الاستقواء بالسلاح.
*
*ما الذي يجعل الحوار السوداني–السوداني مختلفاً عن المبادرات والحوارات السابقة* ؟

السياق الذي يُطرح فيه الحوار اليوم يفرضه واقع كوني ومحلي مختلف تماماً.
أولاً، حجم الخطر الوجودي، إذ تأتي هذه الدعوة بعد حرب مدمرة هددت كيان الدولة السودانية بالكامل، وهو سياق يختلف عن الحوارات السابقة التي كانت تجري لتوزيع السلطة أو معالجة أزمات طرفية.
ثانياً، سقوط بعض النخب والتسويات الجزئية، إذ أثبتت التجربة فشل النخبوية المحصورة في الاتفاقيات الثنائية والمحاصصات السياسية.
أما التركيز الحالي على أن يكون الحوار سودانياً–سودانياً، فيعكس الحاجة إلى مسار بعيد عن الارتهان للوصاية الأجنبية أو التدويل الشديد الذي أفرغ بعض المبادرات السابقة من محتواها الوطني.

**هل ترون أن الحوار يمكن أن يشكل مدخلاً لمعالجة جذور الأزمة السودانية، أم أنه يحتاج إلى مسارات أخرى موازية* ؟

الحوار مدخل أساسي، لكنه غير كافٍ بمفرده ما لم ترافقه مسارات استراتيجية موازية، منها المسار الأمني والعسكري لفرض هيبة الدولة وتوحيد أجهزة القوة واحتواء السلاح خارج الأطر الرسمية.
وهناك أيضاً المسار الإنساني والاقتصادي لمعالجة آثار الحرب والتأهيل وإعادة النازحين واللاجئين وتثبيت حياة المواطنين المعيشية، ومسار العدالة والمصالحة الشاملة لمعالجة الجراح والمظالم، ضماناً لتأسيس بناء الدولة الوطنية الجامعة.
ما القضايا التي ينبغي أن تكون في صدارة أجندة الحوار إذا أردنا أن تكون نتائجه ذات أثر طويل المدى؟
يجب أن تتصدر الأجندة القضايا الكلية، وفي مقدمتها نظام الحكم وبناء الدولة، وتحديد شكل الحكم وتوزيع السلطة والثروة بوضوح وعدالة، وإدارة التنوع والهوية الوطنية، والانتقال من إدارة الأزمات الناتجة عن التنوع إلى استثماره كعنصر قوة.
كما ينبغي تناول وضع المؤسسة العسكرية والأمنية باعتبارها ضامناً للدولة في الفترة الانتقالية، وحماية الدستور، وصياغة الدستور، والاستحقاق الانتخابي، ووضع المبادئ فوق الدستورية، وإقرار كيفية الوصول إلى السلطة عبر إرادة شعبية حرة.

**ما أبرز التحديات التي يمكن أن تواجه الحوار السوداني–السوداني* ؟

غياب الثقة المتبادلة بين الأطراف السياسية، وبين المواطن والنخب السياسية، والاستقطاب الحاد، ومحاولة أطراف دولية وإقليمية فرض إرادتها لخدمة مصالحها على حساب المصلحة الوطنية، والتمسك بالمكاسب الحزبية والجهوية الضيقة.
كما يمثل تغليب منطق صفرية الصراع على حساب التنازلات الوطنية تحدياً كبيراً، إلى جانب التدخلات والتشويش من قبل القوى الرافضة للسلام والحلول السياسية.

**كيف يمكن التعامل مع التباين الكبير في مواقف القوى السياسية والمجتمعية تجاه الحوار* ؟

يتم التعامل مع التباين عبر تحديد المبادئ القومية الحاكمة والاعتماد على قواعد بناء الدولة الوطنية المعترف بها كمرجعية لا مساس بها، ومنهجية التدرج والدوائر المتداخلة.
ويبدأ ذلك بالتوصل إلى توافقات حول القضايا الكبرى أولاً، أي الحد الأدنى الوطني، ثم الانتقال إلى القضايا التفصيلية والإجرائية، مع استبعاد المواقف الصفرية واعتماد الآليات الديمقراطية والخبراء المستقلين لتيسير النقاشات وتفكيك نقاط الخلاف المعقدة عبر الوساطات الوطنية.

إلى أي مدى يمثل الاستقطاب السياسي والمجتمعي تحدياً أمام الوصول إلى توافقات وطنية ؟

يمثل الاستقطاب تحدياً بالغ الخطورة، لأنه يحول الخلاف السياسي الطبيعي إلى صراع وجودي وثقافي واجتماعي.
والاستقطاب يمنع العقلانية ويؤدي إلى رفض أي طرح منطقي يقدمه الطرف الآخر، حتى لو كان فيه خير البلاد.
ولا يمكن الوصول إلى توافقات وطنية مستدامة إلا بتسبيك كتلة حيوية وسطية تدير الحوار بعيداً عن أطراف الغلو والأيديولوجيا الصارمة.

*كيف يمكن ضمان ألا يتحول الحوار إلى مجرد منصة لتبادل المواقف، دون الوصول إلى حلول عملية* ؟

عن طريق تصميم منهجية علمية وإجرائية دقيقة، والتركيز على حزم البرامج والحلول، وتحويل المناقشات من الطرح النظري والمفاهيمي إلى صياغة مشروعات قوانين وسياسات قابلة للتطبيق.
كما يتطلب ذلك وجود فرق عمل فنية ومتخصصة تساند الحوار وتعمل على صياغة الرؤى والمواقف السياسية في صيغ تنفيذية وتوصيات إجرائية ملموسة، وربط الجلسات بسقوف زمنية مبرمجة ومؤشرات قياس للأداء والمخرجات في كل مرحلة.

ما الضمانات المطلوبة للحفاظ على استقلالية الحوار وملكيته السودانية ؟

التمويل الوطني الخالص لقطع الطريق أمام ضغوط واشتراطات المانحين والقوى الخارجية، والقيادة والتسهيل السوداني، وأن تدار العملية برمتها عبر شخصيات وهيئات سودانية ذات مصداقية واستقلالية وكفاءة عالية مشهود لها.
كما أن الشفافية والتواصل مع الرأي العام وإشراك المواطن وصنّاع الوعي في مراحل الحوار، يجعل الشارع هو الضامن الحقيقي والرقيب على استقلالية العملية.

ما المطلوبات الأساسية لنجاح الحوار السوداني–السوداني وتحويله من فكرة إلى عملية وطنية منتجة ؟

الإرادة السياسية الصادقة، والتنازل لصالح الوطن الشامل، والشمول غير الإقصائي، ومشاركة كل المكونات ذات الوزن الحقيقي والفاعل، دون إقصاء إلا لمن يرفع السلاح بوجه الوطن أو يرفض مرجعية الحوار والرؤية المنهجية الواضحة.
كما يتطلب النجاح وجود أمانة عامة وقواعد إجرائية شفافة تسير الحوار وتصوغ مخرجاته بعلمية.

**هل نجاح الحوار مرتبط فقط باختيار المشاركين، أم أن هناك شروطاً أخرى تتعلق بالمنهج والأجندة والضمانات والتنفيذ* ؟

اختيار المشاركين شرط لازم ولكنه غير كافٍ.
فالنجاح الهيكلي يعتمد بالدرجة الأولى على سلامة المنهجية وآليات إقرار القرارات، سواء بالتوافق أو الأغلبية، ووضوح وتدرج الأجندة، ومناقشة الأولويات الوطنية دون تشتيت.
كما يتطلب وجود ضمانات تنفيذية عبر الآليات والمؤسسات المكلفة بتطبيق المخرجات على الأرض وحمايتها بآليات دستورية وسياسية ملزمة.

**ما الدور الذي يمكن أن تلعبه القيادات المجتمعية والإدارات الأهلية والشباب والمرأة والمثقفون والإعلام في إنجاح الحوار* ؟

تتوزع الأدوار التكاملية بين القيادات المجتمعية والإدارة الأهلية في إضفاء السند الشعبي وتهيئة القواعد المجتمعية والحد من النزاعات القبلية وتأكيد التعايش.
أما الشباب والمرأة فيقدمون طاقة التغيير، ويسهمون في شرعنة التوافقات المستقبلية، والتركيز على قضايا العدالة والخدمات وتكافؤ الفرص.
ويتمثل دور المثقفين والإعلام في حماية الحوار فكرياً، وتفكيك الخطاب المتطرف، ونشر ثقافة التسامح، وشرح التوافقات ونشرها للعامة بصورة مبسطة ومشجعة.

**إذا نجح الحوار في الوصول إلى توصيات، كيف يمكن تحويل هذه التوصيات إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ؟*

يتم ذلك عبر خطة ومصفوفة تنفيذية مكملة للحوار، تحوي الترجمة التشريعية والدستورية، وتحويل التوصيات السياسية إلى نصوص دستورية وقوانين ملزمة.
كما ينبغي وضع مصفوفة زمنية ومؤشرات أداء وجدول زمني محدد، وتوزيع المخرجات على الوزارات والهيئات التنفيذية، مع تحديد مسؤولية كل جهة، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة للمتابعة والتقييم تقيس مدى التزام الحكومة التنفيذية بتطبيق التوصيات على أرض الواقع.

**كيف يمكن أن تستفيد الدولة السودانية من مخرجات الحوار في .ظبناء مؤسسات أكثر استقراراً وكفاءة* ؟

تستفيد الدولة عبر تصفية التسييس والمحاصصة، ووضع معايير الجدارة والكفاءة والمهنية للخدمة المدنية والأجهزة الإدارية، وإصلاح وإعادة البناء والترميم وفق هياكل حديثة تستجيب لتطلعات المواطنين وتمنع الفساد وتصون الموارد.
كما أن وجود توافق وطني يمنح قوة لإنفاذ القانون والسياسات العامة بثبات وهيبة.

**وكيف يمكن أن يستفيد المواطن السوداني بصورة مباشرة من نتائج الحوار* ؟

يستفيد المواطن بصورة مباشرة من خلال الأمن والاستقرار وتوقف الحرب وتحقيق الأمان على النفوس والأموال، وتحسن الحياة المعيشية والخدمات والتعافي الاقتصادي.
كما يستفيد من عودة المدارس والمستشفيات للعمل في ربوع البلاد، وانسياب خدمات المياه والكهرباء، وسيادة حكم القانون والعدالة، وإنهاء مظاهر التخلف والتجهيل، وضمان حقوق المواطنة المتساوية وتوفير بيئة عمل واستثمار آمنة.

**من منظور استراتيجي، ما الذي يجب أن يحدث بعد انتهاء الحوار حتى لا تصبح توصياته مجرد وثيقة أخرى على رفوف المؤسسات؟*

ربط المخرجات بوثيقة دستورية حاكمة تجعل التوصيات مرجعية ملزمة للحكومة الانتقالية أو الدائمة، وإبطال أي قانون مخالف لها.
كما ينبغي تشكيل آلية وطنية للرقابة والتنفيذ تضم قوى مجتمعية ومستقلة لمتابعة الأداء وإطلاع الشعب بانتظام على نسبة الإنجاز، وإنشاء مفوضية للتحول الديمقراطي والبناء المؤسسي تشرف على تطبيق بند البناء والتحديث المؤسسي الوارد في نتائج الحوار.

**ما النظرة الاستراتيجية التي ينبغي أن تحكم توصيات الحوار المتوقعة؟*

ينبغي أن تحكم التوصيات نظرة التحول والترميم الشامل، وهي رؤية توازن بين الحل الفوري الحاسم للأزمة الأمنية والإنسانية الراهنة، وبين التخطيط الاستراتيجي المستقبلي لبناء السودان الجديد على أسس راسخة تجعل العودة إلى مربع الصراعات والحروب أمراً مستحيلاً.

**هل ينبغي أن تركز التوصيات على إنهاء الأزمة الراهنة فقط أم أن تمتد إلى معالجة جذور الأزمات التي أنتجت الحرب* ؟

يجب بالضرورة أن تدمج بين المستويين.
الأولوية العاجلة هي إيقاف الحرب وتأمين المواطنين وتقديم المساعدات الإنسانية، بينما تتمثل الأولوية الاستراتيجية الحاكمة في معالجة جذور الأزمات، مثل اختلال توزيع الثروة، وإنهاء مظاهر وأسباب الصراع في السودان، والمحافظة على المؤسسات الأمنية والمدنية، ومعالجة أزمة الهوية الوطنية.
والاقتصار على معالجة الأزمة الراهنة دون جذورها هو مجرد تأجيل للحرب القادمة.

إذا أردنا بناء دولة سودانية مستقرة بعد الحرب، فما القضايا الاستراتيجية التي يجب أن تتناولها توصيات الحوار؟
عدم الزج من الأحزاب بالجيش الوطني القومي في الصراع السياسي والاجتماعي، وإقرار مبدأ المواطنة المتساوية معياراً أساسياً للحقوق والواجبات والعدالة، وتحقيق العدالة والمصالحة الوطنية الشاملة والتاريخية.
كما ينبغي ضمان استقلال المؤسسات الرقابية والخدمة المدنية، ووضع استراتيجية وطنية للاقتصاد الموجه ونمو الموارد الذاتية.

**كيف يمكن أن تساهم مخرجات الحوار في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وبين مكونات المجتمع السوداني نفسها* ؟

عن طريق الشفافية والصدق التنفيذي، فعندما يرى المواطن أن مخرجات الحوار تُنفذ واقعاً ملموساً وليس مجرد خطابات سياسية، فإن ذلك يسهم في إعادة بناء الثقة.
كما يتطلب الأمر إنصاف الضحايا والمناطق المتأثرة، وتقديم اعتذارات وتعويضات وطنية تعيد كرامة المواطن، وتفعيل برامج العمل الاجتماعي المشترك والمشاريع القومية الجاذبة التي تحث على الانصهار بين المكونات الوطنية المختلفة.

**ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الوعي المجتمعي في حماية أي اتفاق أو تسوية سياسية يتم التوصل إليها* ؟

الوعي المجتمعي هو الخط الدفاعي الأول لأي تسوية، والاتفاقيات المكتوبة على ورق تنهار بسهولة إذا لم يحرسها وعي شعبي يحميها من أطراف الغلو والشرائح المستفيدة من الصراع.
والوعي يمنع انقياد المواطنين خلف التحريض ضد التسوية، ويشكل قوة ضغط شعبية على السياسيين والمسلحين للالتزام بما تم الاتفاق عليه.

**في تقديركم، ما الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى المواطن السوداني من خلال هذا الحوار؟*

الرسالة الأساسية هي أن وطنك السودان أمانة مشتركة بيننا جميعاً، وسقوطه هو سقوط للجميع، ونهوضه لا يتم إلا بإرادتك وعقلك ووعيك.
والحوار ليس صفقة سياسية لتوزيع السلطة بين النخب، بل هو مشروع المواطن للعبور نحو دولة العدالة والاستقرار والكرامة الوطنية الشاملة.

**أخيراً، إذا طلبنا منكم وضع ثلاثة شروط استراتيجية فقط لنجاح الحوار السوداني–السوداني، فما هي* ؟
أولاً: السيادة والملكية الوطنية الخالصة، وإرادة سودانية متحررة تماماً من المحاصصات ومن إملاءات وأجندات المحاور الإقليمية والدولية.
ثانياً: الشمول والمواطنة بلا إقصاء، وتمثيل حقيقي لكافة القوى الفاعلة والمجتمعية والنوعية، بعيداً عن الثنائيات والاحتكارات التاريخية للقرار.
ثالثاً: التلازم بين التوافق والآليات التنفيذية الملزمة، وألا يكتفي الحوار بالتوافق السياسي النظري، بل يقر بدستور وآلية تنفيذية وضمانات زمنية لحماية المخرجات وتطبيقها على الأرض.
في الختام، نسأل الله التوفيق والسداد للجميع، وأن يسود الأمن والأمان ربوع البلاد، وإلى اللقاء في ساحات العلم والمعرفة، وبكم نرتقي إلى عالم النمو والتطور والإبداع.