الفاتح بهلول يكتب .. من ديوان ود ضبعة .. هاك من دار جعل

الفاتح بهلول يكتب .. من ديوان ود ضبعة .. هاك من دار جعل

ضُل الغيمة

من ديوان ود ضبعة .. هاك من دار جعل

كتب : الفاتح بهلول

في السودان ثمة أشياء لا تكتبها الكتب ولا تحفظها المراسيم وإنما تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل ومن بينها الكرم ذلك الخُلق الذي ظل علامة بارزة على جبين السودانيين ماركة مُسجلة و بالمقابل تظل دار جعل مستودع هذا الإرث حتى أصبح اسمها عند كثيرين مقترناً بالكرم الذي ابدع الشعراء في وصفه و الباب للقادم دون أن يسأل من أين جاء .

ولعل إختياري للعنوان لربما يختصر شيئاً من هذه الروح فـهو ليس مجرد جملة كتبت وإنما هي فلسفة لعكس العطاء فهذا ما عندنا وهذه دارنا وهذا ما نستطيع أن نقدمه لك وهي في معناها الأعمق دعوة مفتوحة إلى مائدة الكرم وإلى دار ترى في إكرام الضيف واجباً لا مٍنّة وفي العطاء قيمة لا تُقاس بما يُعطى وإنما بما يتركه في نفوس الناس و من هذه الدلالة جاءت زيارة أهل نيالا إلى الجوير في دار جعل فهي لم تكن زيارة عابرة ولا رحلةً اجتماعية تنتهي بانتهاء المناسبة بل كانت بمثابة عودة إلى ذاكرة مشتركة ورداً لجميل قديم و وفاءً لعلاقة ضاربة الجذور بين دارفور و نهر النيل فبعض الزيارات لا تقاس بعدد أيامها وإنما بما تستعيده من محبة وما تستدعيه من صفحات الذاكرة لدور لا تغلق أبوابها .

حينما وصل أهل نيالا إلى الجوير لم تكن اقدامهم قد وطأت في أرض غريبة عنهم حيث وجدوها داراً تعرف كيف تستقبل من يأتيها حاملاً ذكرى أو سلاماً و لربما وفاءً مؤجلاً بالتالي لم تزل دار جعل تحتفظ بهذه السمات، على ضوء ذلك أضحت قبلةً للزائر و للباحث عن الملاذ الأمن فالأبواب مُشرعة و الكرم فعلاً يومي ليس مجرد حكاية من حكايات الماضي ، وهنا يكون ود ضبعة أعمق من العنوان بل مفتاحاً لفهم المشهد كله و هاك من دار جعل هكذا قالت الجوير لأهل نيالا .

في قلب هذه الحكاية يبرز اسم موسى عبد العظيم كمؤسس لمشاريع الخير و غيمة ظللت بالوفاء لأهل الجوير حينما شرع في تأسيس رابطة أبناء الجوير التي كان لها الفضل في هذا التلاحم المجتمعي المتفرد و رجل أخر اسمه قسم الله فضل الله نصرالدين شهدت له المآذن قبل المجالس و المدارس قبل العلم شهد له العطاء قبل القول موسى و قسم الله رجلان لم ينسَيا نيالا مدينتهما الأم ولم ينسَيا الجوير التي خرجا من رحمها لذلك اختارا أن يجعلا من المحبة جسراً بين المدينتين و مشروعاً حياً .

لم تكن رابطة أبناء الجوير مجرد تجمع اجتماعي فتحولت إلى مساحة للعطاء والإشعاع الثقافي وأسهمت في إحياء الخلاوي ودعم التعليم وربط أبناء المنطقة بجذورهم وتعزيز صلة الناس ببعض موسى و قسم الله يا سادة رجلان حملا مدينتين في قلبيهما وأدركا أن الوفاء الحقيقي لا يكون بالكلمات وحدها وإنما بما يتركه الإنسان خلفه من أثر على ضوء ذلك تبدو أبيات الشاعر عكير الدامر وكأنها تستدعي صورة الرجلين .
ضو الهجعة للتايه غريب بتلفت
اكسير الضرا الليهو الشوارع لفت
باهل رزقو رحمان القلوب الخفت
ايدو بشاير الطرفة أم بروقاً رفت
عريس امات لبوس الهربست واتصفت
الخير الدفر لبن البيوت الحفت
عسل عيش الجوار زمن السنين الجفت .

إن ما يجمع نيالا البحير والجوير ليس مجرد علاقة اجتماعية عابرة إنه صورة لوجدان سوداني واحد قد تباعد بينهما الجغرافيا بيد أن الثقافة تقرّبهما و الرياضة تستظلهما فنادي الهلال و المريخ نيالا شاهدان على ذلك والذاكرة تجمعهما و الأغنية بينهما ما بتعرف ليها خرطة و لا في إيدا جواز سفر وقت تدق الدلوكة مع البشيرة و الفرنقبية مع يوسف باب الله في أغنية
بنيتي حسابك.. لكلام راجلك اسمعا .. فإن القلوب في نيالا والجوير تستعيد النبض ذاته لأن الأغنية واحدة و الذاكرة واحدة والفرح واحد ولهذا جاء وفد نيالا إلى الجوير حاملاً معه أسماء تحمل صفحات من هذه الذاكرة من بينهم امير 56 عمر دبكة وحبيب آدم موسى و النيالاوي المعطون بحب واديها و جنائنها و مجالسها و فنها و رياضتها و ليالي أنسها و سياستها الامين العام للحزب الوطني الديمقراطي الاصل صلاح صالح الدومة فهو احد معالم ام المدائن التي لا تخطئها العين كما الشلوخ على خدود ميارمنا ، إلى جانب عدد من قدامى محاربي الطلاب و الشباب في مقدمتهم صديق منصة و أبسدة و صابوني و الطاهر و بت مهدي و بت فتح الباب فهؤلاء من الذين عرفوا فضل موسى سند وركيزة للمجتمع في سنوات مضت و هذا بدوره علاقة لم تصنعها مناسبة ولن تنتهي لأن نهر النيل أعطت دارفور رجالاً أسهموا في بنائها بل و إحتضنت أبناء جنوب دارفور الذين قصدوا دار جعل طلباً للعلم في وقتٍ حُرم فيه كثير من الطلاب من فرص التعليم وهنا تتجلى قيمة ما أشار إليه والي جنوب دارفور بشير مرسال وهو يسترسل محاسن دار جعل وما قدمته لأبناء جنوب دارفور فدامر المجزوب أعطت ونيالا لم تنسَ .

و من الوفاء أن ردت دارفور الجميل بتأسيس دار الأُتُرجة لتحفيظ القرآن الكريم لتستمر دورة العطاء من أرض إلى أخرى ومن جيل إلى جيل وبهكذا لا يعود الكرم مجرد طعام يوضع على الموائد بل يكون علماً يُمنح وقرآناً يُحفظ وأسرةً تُبنى وإنسان يُسند في لحظة حوجته الأمر الذي بموجبه لم يكن الاحتفال الذي شهده ود ضبعة إحتفال عادي لأنه جمع تخريج حافظات كتاب الله مع زيجات جماعية فضلاً على تكريم المتفوقين من إباء المنطقة هذ ما جعل المشهد كأنه يلخص فلسفة المجتمع الذي يعرف كيف يحتفي بالعلم وكيف يحمي الأسرة و كيف يجعل من القرآن أساساً للطمأنينة والاستقرار أي معنى أجمل من أن تُزف حافظات القرآن وهن يحملن داخل قلوبهن نور الكتاب و أن تُفتح في الوقت نفسه أبواب البيوت أمام شباب و فتيات اختاروا طريق العفاف والاستقرار ؟ إنها رسالة تقول إن بناء المجتمع لا يبدأ دائماً من المشاريع الكبيرة بل تكون اولى خطواته من الخلوة ثُم المدرسة فالأسرة، ومن يد تمتد لمساعدة محتاج و دار تفتح بابها لضيف الهجعة و هاك من دار جعل فإن الباب ما زال مفتوحاً ..
هاك من طعامنا
وهاك من محبتنا
وهاك من علمنا
وهاك من وفائنا
وهاك من هذه الأرض التي علمت أن الكرم لا ينقص بالعطاء وإنما يزيد به أصحابه مقاماً ومحبة هنيئاً لود ضبعة وهنيئاً لدار جعل التي ما زالت تحتفظ بهذه السمات النبيلة التي بموجبها صارت قبلةً لكل زائر ومن موائدها جسوراً بين الناس وهنيئاً لنيالا تلك المدينة التي طوت المسافات طي لا لتطلب شيئاً وإنما لتقول لم ننسَ جميلكم رغم الحرب التي باعدت بين المدن و فرقتكم من الارض التي تحبون ، فإن مثل هذه الزيارات دليلاً على أن هناك شيئاً لم تستطع الحرب أن تهزمه وهو ذاكرة الناس لبعضهم و أيام الصبا و وفاء المدن للمدن وكرم البيوت لأهلها و ضيوفها و ما بين البحير والجوير ليست المسافة هي المقياس بل الوفاء طالما هنالك يدٌ ترد الجميل فإن في هذا الوطن متسعاً للأمل فالوفاء لا يُردّ إلا بالوفاء .