الفاتح بهلول يكتب .. حين تُزيّن المدن وتُترك البطون خاوية، هل انحرف ديوان الزكاة عن مقاصده

الفاتح بهلول يكتب .. حين تُزيّن المدن وتُترك البطون خاوية، هل انحرف ديوان الزكاة عن مقاصده

ضُل الغيمة

حين تُزيّن المدن وتُترك البطون خاوية، هل انحرف ديوان الزكاة عن مقاصده ؟

كتب : الفاتح بهلول

في لحظة وطنية بالغة الحساسية حيث يخوض السودان معركة وجود منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل لم يعد مقبولاً أن تتشتت الأولويات أو أن تُدار الموارد الحيوية بعقلية بعيدة عن واقع الناس فالسؤال لم يعد ترفاً فكرياً هل ما يزال ديوان الزكاة يعمل وفق مقاصده الشرعية ؟ ، أم أنه بات يغرد خارج سرب قضايا السودان في هذه المرحلة المصيرية؟
إعلان الأمين العام لديوان الزكاة دعم مبادرة شباب الخرطوم خضراء بمئة مليار من الجنيهات لم يكن مجرد خبر عابر بل كان صدمة أخلاقية وإدارية في وجه شعب أنهكته الحرب والجوع لا سيما و أن رقعة الفقر تتسع حتى شملت غالب أهل السودان، فإذا بأموال الزكاة التي هي حقٌ معلوم للفقراء والمساكين تُوجه إلى مشاريع تجميلية لا تمس جوهر الأزمة ولا تخفف من وطأتها لأن الزكاة ليست بنداً مرناً في موازنة عامة، ولا مورداً يُعاد توجيهه وفق أهواء إدارية أو حسابات علاقات عامة ، فهي فريضة ذات مصارف محددة لا تقبل الاجتهاد الانتقائي، و أي خروج عنها هو إنحراف عن جوهرها و لعل ما يحدث اليوم داخل ديوان الزكاة يعكس خللاً فادحاً في ترتيب الأولويات، بل يكشف عن عقلية تُقدم المظهر على الجوهر، و السنة على الفرض وتحتفي بالهامش وتُهمل الأصل ، في وقتٍ أصبحت فيه “التكايا” الملاذ الأخير لآلاف الأسر، بل مصدرها الوحيد للبقاء، ليبرز السؤال الذي لا يمكن الهروب منه أين ديوان الزكاة من هذا المشهد؟ وأين تذهب موارده الضخمة؟ وهل يُعقل أن تُترك هذه المبادرات الشعبية التي تقوم بمقام الدولة في إطعام الجائعين و بالمقابل تُصرف الأموال على مبادرات ولدت في الظلام ولا تمثل أولوية إنسانية عاجلة؟
إن التكايا اليوم ليست مجرد عمل خيري، بل بمثابة خط دفاع ضد المجاعة بالتالي دعمها ليس خياراً ثانوياً، بل واجب شرعي ووطني في صميم ما شُرعت له الزكاة و أي تقصير في هذا الجانب لا يمكن تبريره، بل يجب أن يُدان ويُحاسب عليه.
الأخطر من ذلك أن هذا الأداء يأتي في ظل حالة من التسيب الإداري وغياب الحوكمة، حيث يستمر أمين ديوان الزكاة في موقعه رغم انتهاء ولايته، في مشهد يطرح علامات استفهام كبيرة حول الرقابة والمساءلة كيف يمكن لمؤسسة بهذا الثقل أن تعمل بلا انضباط مؤسسي واضح؟ وكيف يُنتظر منها أن تلتزم بمقاصدها وهي غارقة في “تيه إداري” يضعف ثقة الناس فيها؟
إن ما يجري اليوم ليس مجرد أخطاء تقديرية، بل مؤشر على خلل بنيوي يتطلب إصلاحاً عاجلاً وجذرياً فديوان الزكاة يجب مراجعته بصورة شاملة تعيده إلى مساره الصحيح، و تضعه في قلب معركة الكرامة لا على هامشها.
إن هذه المرحلة لا مجال فيها لتعدد الأجندات ولا لتبعثر الموارد ،يجب أن يكون الهم واحداً وهو دحر التمرد، و تثبيت صمود المواطنين، و حماية كرامتهم من الانكسار تحت وطأة الجوع، وأموال الزكاة يجب أن تكون في مقدمة أدوات هذا الصمود، لا أن تُهدر في مشاريع لا تعكس حجم المأساة، فبينما تُزرع الأشجار في الشوارع تموت الأشجار الحقيقية في بطون الجائعين ،فالسودان اليوم لا تنقصه الأشجار بل تنقصه العدالة في توزيع الرحمة .