الفاتح بهلول يكتب.. البندقية الذهبية وسام لا يُمنح إلا للرجال.

الفاتح بهلول يكتب.. البندقية الذهبية وسام لا يُمنح إلا للرجال.

*ضًل الغيمة*

البندقية الذهبية وسام لا يُمنح إلا للرجال.

كتب : الفاتح بهلول

في لحظة لا تقاس بالمال و لا توزن بوزن الذهب أهدى القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بندقية ذهبية كان قد تلقاها هدية من أحد رؤساء الدول إلى العقيد القوني عسيل .

اللفتة في ظاهرها تكريم و في جوهرها إعلان يفيد أن حرب الخامس عشر من أبريل قد فرزت اليض من الحميض و الرجال من أشباههم وأن الوطن لا ينسى من تسردب حين ضاقت الأرض بما رحبت يوم أن كانت الفوارق سلاحاً و عتاداً و عدداً خلال الأيام الأولى للحرب حيث لم تكن المعركة متكافئة، كانت المليشيا المتمردة وقئذٍ قد أعدت عدتها لابتلاع السودان في ساعات جاءت من خلالها بترسانة كاملة، بثنائيات ورباعيات وكورنيت مضاد للدروع، وبخطة مكتوبة على أوراق الغدر وفي المقابل كان هناك رجال مثل القوني عسيل لا يملكون إلا عزيمة و عدد يسير من الكلاشات و حبات كعدد أصابع اليد من الرصاص وإيماناً راسخ مفاده بأن الذي يقاتل في النهاية ليس الحديد بل الإرادة.

إن الفارق الشاسع في العتاد لم يثنِ القوني وقواته بل زادهم عزيمة للتقدم حيث توجب التقدم ، وثبتوا حين كان الثبات انتحارا قاتلوا بسلاح العدو بعد أن انتزعوه منه رجالة وحولوا النقص إلى عقيدة قتالية اسمها الهجوم الكاسح لأنهم يملكون سجل لا يحتاج إلى شهادة، فتحرير مصفاة الجيلي ، و شرق النيل بيت بيت و دار دار و زنقة زنقة بالإضافة للخرطوم وهي تُغسل من دنس التمرد ، و النيل الأزرق وهي تستعيد أنفاسها شهادة كُتبت بالعرق و الدم، ليمتد الثبات في شمال كردفان وهي تستكمل فصل الأمان القوني كان هناك. بعزيمة لا تعرف الإنكسار وبقرار لم يتزحزح منذ اليوم الأول الذي ارتدى فيه البارقيد رغم الإغراءات التي قُدمت له و المساومات التي عُرضت عليه من قبل قادة التمرد ، حيث كان ردّه واحداً البندقية في وجه من أرادوا الوطن لأنه رضع من ثدي الغربية أم سيف ساس الديش بالتالي لم يكن غريباً أن يختار القائد العام هذه الهدية الرئاسية بالذات ليمنحها له فالذهب يليق بالذهب، و البندقية التي أُهديت لرأس الدولة كان أحق الناس بها رجل حوّل البندقية العادية إلى فعل وطني .

إن تكريم فرد هو تكريم لجيش بأكمله سطر أروع البطولات في كافة جبهات القتال ، و تكريم العقيد القوني ليس تكريم شخص هو تكريم لمعنى،
هو تكريم لكل ضابط صف و جندي ظل في الميدان بلا إعلام ولا ضجيج، لكل من قاتل بلا طائرة مسيرة ولا مدرعة، بل بظهر مكشوف وصدر عامر باليقين على خلفية ذلك أن البرهان يعلم ونحن نعلم أن حرب الكرامة لم ينتصر فيها السلاح بل انتصر فيها المبدأ، انتصر فيها من قال لا للخيانة، ونعم للوطن حتى الرمق الأخير .

البندقية الذهبيةاليوم تقول شيئاً واحد لا يعرف قدر الرجال إلا الرجال و نحن تقول شيئاً آخر أن السودان الذي يُبنى الآن فوق ركام الحرب سيُبنى على أكتاف أمثال القوني عسيل الذين لم يساوموا، ولم يتراجعوا ، ولم يبدلوا .

إن القوات المسلحة التي ينتمي إليها العقيد القوني عسيل ليست مجرد مؤسسة تحمل السلاح بل هي ضمير الأمة حين تغيب الضمائر ، ودرعها حين تشتد العواصف ، و ملاذ شعبها حين تضيق السبل فلقد أثبتت ذلك خلال حرب الكرامة و هي تقول بملئ الحناجر العقيدة لا تُشترى و الرجال هم العتاد الحقيقي، والوطن حين يُختبر لا يجد سنداً إلا سواعد أبنائه الذين أقسموا ألا يفرطوا في شبر منه هي مدرسة تُخرج القادة لا المرتزقة، وتصنع البطولات لا الدعايات، وتكتب تاريخها بدماء أبنائها لا بحبر البيانات ومن رحم هذه المؤسسة خرج القوني فتكريمه تكريماً لها لأن المجد إذا ذُكر في فرد أصله دوماً مؤسسة عرفت كيف تصنع الرجال وكيف تصون العهد .