الفاتح بهلول يكتب.. حين يصبح إنقاذ الصحافة إنقاذاً لذاكرة وطن ( 2 _____ 3)
ضُل الغيمة
حين يصبح إنقاذ الصحافة إنقاذاً لذاكرة وطن ( 2 _____ 3 )
الحبر شاهد على وطن يقاوم عوالم متأمرة
كتب : الفاتح بهلول
الحقيقة التي يجب قولها إن الثقافة والإعلام كانا في قلب المعركة الوطنية خلال هذه الحرب فقد وجد الصحفي و المثقف نفسيهما في مواجهة واحدة مع الدمار الممنهج أحدهما يحاول أن يوثق ما يحدث و الآخر يحاول أن يمنع الحرب من ابتلاع ما تبقى من روح المجتمع، لكن المفارقة أن الذين يحمون الذاكرة يجدون أنفسهم هم أيضاً في حاجة إلى من يحميهم فالصحفي الذي يكتب عن وطنه قد لا يجد في نهاية الشهر ما يكفيه لإعالة أسرته ، و المؤسسة التي يفترض أن تحمل صوت المجتمع قد تجد نفسها عاجزة عن شراء الورق و الحبر والصحيفة التي كانت بالأمس جزءاً من المشهد اليومي للمدينة أصبحت مهددة بأن تتحول إلى أثر من آثار الماضي، وهنا يكون السؤال أكبر من سؤال الصحافة الورقية أو الرقمية فهل يمكن لأمة أن تفقد صحافتها دون أن تفقد شيئاً من ذاكرتها ؟ فالصحيفة ليست الورق الذي تُطبع عليه إنها يا سادة يوم سوداني موثق، و ذاكرة مدينة بل هي أسماء لأشخاص مروا في الحياة العامة ومواقف سياسية واجتماعية و إنتصارات و انكسارات و أرشيف لمجتمع لا يريد أن يستيقظ ذات صباح فيكتشف أن سنوات كاملة قد سقطت من ذاكرته ، على ضوء ذلك كان النقاش حول الصحافة الورقية في الورشة أعمق من مجرد دفاع عن وسيلة تقليدية في عصر رقمي ، إنه دفاعاً عن فكرة الإستمرارية نفسها و عن حق المجتمع في أن تكون له صحافة مؤسسية و عن حق الدولة في أن تمتلك أرشيفاً حياً لتاريخها وعن حق الأجيال المقبلة في أن تعرف كيف عاش آباؤها هذه اللحظة.
نعم العالم يتغير والصحافة الرقمية أصبحت جزءاً أصيلاً من المستقبل لكن المستقبل لا يشترط بالضرورة أن يُدفن الماضي، وفي بلدان كثيرة من مصر إلى جنوب السودان وأوغندا فإنني شاهدت على أن الصحيفة الورقية لم تزل حاضرة بقدر كبير من الألق والتأثير ، و ربما يكون التحدي الحقيقي أمام الصحافة السودانية ليس الاختيار بين الورق و الرقمنة إنما في إكتشاف صيغة جديدة تتسع لكليهما صيغة لا تجعل التكنولوجيا خصماً للذاكرة ولا تجعل الورق أسيراً للحنين .
إن ملف القوانين كان واحداً من أكثر الملفات حساسية بل أكثرها إلحاحاً، فبغياب الإطار القانوني المتخصص بالصحافة والمطبوعات قوانين المعلوماتية هي المرجعية البديلة في التعامل مع كثير من قضايا النشر و عندئذٍ تتداخل المهن و تتساوى في بعض الأحيان صفات الصحفي المحترف و الناشط والمدون، وليس في ذلك مجرد إشكال تنظيمي فالصحافة مهنة لها قواعدها وأخلاقياتها و مسؤولياتها و التمييز بينها وبين أشكال التعبير الأخرى ليس امتيازاً للصحفي بقدر ما هو حماية للمجتمع من الفوضى التي قد تنشأ حين تصبح الحقيقة بلا معيار مهني بالتالي كانت المطالبة بإنقاذ قانون الصحافة والمطبوعات واحدة من القضايا الجوهرية التي حملتها الورشة لأن الصحافة لا يمكن أن تنهض في ظل فراغ تشريعي كما لا يمكن أن تستعيد استقلاليتها وهي تتحرك في منطقة رمادية بين القوانين والتفسيرات و لأن الأزمة ليست قانوناً فقط، كان لا بد أن يمتد السؤال إلى الاقتصاد أيضاً فالمهنة التي لا تجد ما يكفيها من الموارد سرعان ما تجد نفسها أمام امتحان الإستقلال وحين يصبح الصحفي أسير الحاجة تكون الحرية نفسها أكثر هشاشة وحين تكون المؤسسة رهينة لمصدر واحد للتمويل يكون استقلالها التحريري مُهدداً مهما بلغت نوايا العاملين فيها لذلك فإن قضية الصحافة ليست قضية صحفيين وحدهم إنها قضية مجتمع يريد أن يعرف نفسه و دولة تريد أن تحفظ تاريخها وأجيال ستبحث ذات يوم عن شاهد يقول لها كيف عبر السودان من أكثر لحظاته قسوة ، هنا تحديداً يتحول الحبر من مادة للطباعة إلى شاهد و يتحول الورق من سلعة إلى ذاكرة و تتحول الصحيفة من نشرة يومية إلى وثيقة تقول إن هذا اليوم مرّ من هنا وأن وطناً كان يعيش ويتألم و يحلم ويحاول ألا يسقط من سجل التاريخ .
،،،،،، نـــواصـــــل ،،،،،،،،
